الأحد، 22 فبراير 2015

السيسي .. ونخوة المعتصم




نامت مصر ليلة الأحد الماضي، الخامس عشر من فبراير، باكية، حزينة، مكسورة.. ثم إستيقظت صبيحة اليوم التالي، السادس عشر من فبراير، ضاحكة، فرحة، عزيزة .. كان السر وراء هذا التأثير السحري يكمن في تلك المقاتلات المصرية التي غادرت عرينها قبل أضواء الصباح، محملة إلى جانب الصواريخ والقذائف، بغضب 95 مليون مصري .. لم ينيمهم في تلك الليلة السوداء، مشهد الذبح المروع لـ 21 مصرياً على أحد الشواطئ الليبية على أيدي عصابات داعش .. خرجت الطائرات الغاضبة تطلب الثأر ، ثم ما لبثت أن عادت وقد إستعادت لهؤلاء المصريين الكرامة والشرف .

الشعب المصري فريدٌ من نوعه .. فلا أحدَ من بين شعوب العالم يستطيعُ أن يتحمل نصفَ ما يتحمله هذا الشعب، أو يفكر كما يفكر .. فحين تنطلق الطائرات الحربية في أية دولة ، يضع المواطنون أيديهم على قلوبهم، يهرعون ليغلقوا النوافذ بالترابيس، ثم يضموا أطفالهم إلى صدورهم في حنان ليمنحوهم السَكينة.. مجرد سماع هدير تلك الطائرات كفيل بإثارة الرعب لدى المواطنين، ودق ناقوس الخطر حول قدوم "الحرب"، وهي الكلمة التي تمقتها شعوب العالم، لما تحمله الحروب من ويلات ودمار و نار وفقدان للمسكن والمال والروح والأصدقاءوعلى العكس .. فإن سماع هدير الطائرات فوق سماء مصر كفيل بإثارة مشاعر البهجة لدى المصريين.

قد يرى البعض أن شريحة الشباب بين العشرين والأربعين هم الأكثر فرحاً بإنتفاض القوات المسلحة للثأر لدماء شهداء، فهم من ولدوا وعاشوا في عصور السلام والهدوء والإنسجام مع شعوب العالم، عصور الإنفتاح الإقتصادي والتبادل التجاري، عصور العولمة وتحول العالم إلى قرية كونية .. هم لم يشهدوا أي حرب على الإطلاق، ولم يقاسوا مرارتها .. هم من قضوا ثلاثون عاماً من عمرهم تحت حكم شخص واحد .. هم من لم يستشعروا إحساس العزة قط ولم يشعروا بفخر كلمة "الوطن"، هم من ضعف إرتباطهم بوطنهم إلى حد البحث عن فرص العمل خارج حدوده حتى ولو تعرضوا لخطر أن يكونوا لقمة سائغة لأسماك القرض وسط أمواج البحر المتوسط.

على الجانب الآخر، قد يشعر أباؤنا ممن تجاوزوا العقد الرابع بنوعٌ من الإنقباض وهم يسمعون هدير الطائرات الحربية يملأ سماء مصر، فهم من عاصروا عشرات الحروب بدءاَ بحرب فلسطين والعدوان الثلاثي وحرب 67 وحرب اليمن وحروب الإستنزاف، ثم حرب أكتوبر المجيدة .. معارك لرد الشرف وأخرى لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل .. حروب دمرت خلالها مُدن، وشردت خلالها أُسَر، وأخرت تقدم مصر نحو المستقبل .. هؤلاء نلتمس لهم العذر فهم من يعرفون حقيقة أن الحرب ليست نزهة، وأن إشعال فتيلها لا يعني بالضرورة أنك قادر على إخمادها ثانية، وأن خروج الطائرات لضرب مواقع خارج الحدود لا يضمن لها سلامة العودة إلى مممراتها مرة أخرى.


لاشك أن هذه الضربة العسكرية كانت رداً مناسباً ومتناسباً مع حجم الحادثة التي لم تتكرر على مر التاريخ، فكرامة المصريين كان لها دوماً ما يصونها ويدافع عنها حتى ولو تمت الحادثة خارج الحدود المصرية.. والأمثلة حول ذلك عديدة .. وإن كانت تلك الضربة تثير داخل البعض مخاوف التهور والإنزلاق أكثر في حرب خارج الحدود فعلى القيادة السياسية أن تتسلح بالحكمة والشفافية في طرح مايتعلق بتداعيات الضربة على الرأي العام، كي لا يكون المواطن المصري نهباً لقنوات معادية ومواقع مأجورة تتناقل قصصاً عن تدخلات برية في ليبيا وأخرى تتحدث عن رهائن مصريين جدد، فحين يتعلق الأمر بالأمن القومي لهذا الوطن فلابد لأن يكون للوطن منبر إعلامي واحد.
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...