الثلاثاء، 23 يناير 2018

خطاب المغازلة : ترشح الفريق سامي عنان



"لا شيء يوحد الشعب حول قائده كعدو مشترك.. الناخبون لا يغيرون قادتهم"
                                              (هارفي فيرستين ـ كاتب مسرحي أمريكي)

خطاب المغازلة.. ربما كان الوصف الأدق للخطاب الذي أختار أن يطل الفريق سامي عنان من خلاله لإعلان خوض انتخابات الرئاسة لعام 2018، فبنبرة هادئة، وعبارات قصيرة، وخطاب مسجل غير ارتجالي تجاوز الدقائق الخمس بثوانٍ معدودة، سعى رئيس أركان الجيش المصري السابق الذي يقف على عتبة السبعين، لمغازلة العديد من الأطراف التي ربما كان يراهن أن تقف داعماً له في هذه المعركة التي لا أعتقد أنه كان يثق كثيراً في أن تحقق ما يرجوه، وربما كان أول من غازله الفريق في هذا الخطاب هو "سامي عنان" نفسه، الذي داعب هذا الظهور في داخله رغبة لم تئدها السنوات الماضية في طرح نفسه على الساحة السياسية، ليطرح نفسه كمرشح محتمل لأرفع منصب سياسي في البلاد، للمرة الثانية بعد تراجعه عن الترشح في عام 2014.
لعب الفريق "عنان" على وتر النسيان، وقدم نفسه كمرشح مدني، في محاولة لاستمالة عدد من القوى السياسية، عبر طرح مفاهيم "المشاركة السياسية" و"التعددية" و"العدالة الاجتماعية"، كمفاهيم جديدة على شعب أصبح يتنفس السياسة صباح مساء منذ ثورة 25 يناير 2011، وبدا وكأنه يحاول أن يغض البصر عن تجارب المشاركة السياسية التي تقدم من خلالها مصر نموذجاً لم تعهده بلدان العالم الثالث، حيث يجلس الرئيس وأعضاء الحكومة للاستماع إلى رؤى الشباب وعقول مصر المهاجرة وأصحاب الفكر والرأي، ثم صياغة السياسات ومكاشفة الشعب بها على الأثير، وتحمل فاتورة المحاسبة ومسئولية المتابعة.
 أصر الفريق على مداعبة أحلام البسطاء، من خلال تسليط الضوء عما أسماه "تردي الأوضاع المعيشية"، وكأن غيابه الطويل عن الساحة قد جعله في معزل عما مر به الاقتصاد المصري خلال السنوات السبع الماضية من ظروف صعبة، لم تكن تحتمل استكمال العلاج بالمسكنات التي فقدت مادتها الفعالة، وإنما استدعت تدخلاً عاجلاً مشرط الجراح، تمثل في اتخاذ إجراءات اقتصادية لا تحتمل التأجيل، تلك الإجراءات الصعبة التي تسير بالتوازي مع شبكة واسعة من المشروعات تمتد فوق رقعة الوطن الرحيب لتضمن فرصاً للعمل، وتدفع مؤشرات النمو في العديد من القطاعات، إلى جانب التوسع في البرامج الاجتماعية التي تأخذ بيد الفئات الأولى بالرعاية وتحرص على نقلهم من المناطق العشوائية الخطرة لتضمن لهم سبل العيش والحياة الكريمة.  
أختار الفريق على حد وصفه "نواة مدنية لمنظومة الرئاسة" تحمل في حقيقة الأمر بين طياتها لغماً شديد الانفجار.. اسمين لا يهدأ حولهم اللغط، الأول معفى من منصبه كرئيس سابق لجهاز رقابي، والآخر أكاديمي اشتهر بآرائه النقدية التي طالت يوماً الفريق ذاته. كما طرح الفريق مفهوم "إدارة التنوع والاختلاف" على النحو الذي بدا وكأنه محاولة غزل خجولة لقوى تروج لنفسها وكأنها تتعرض لمحاولة "أقصاء"، في الوقت الذي ترفض فيه كل دعوات الانضواء تحت راية الدولة المصرية، وتفضل الارتكان إلى زوايا بعيدة، تراقب من خلالها ما يجري بعدسة مكبرة تبحث عن بقعة اخفاق في ثوب ما يتحقق جدياً على الأرض.     
ربما لم نجد من غير المنطقي أن يوجه الفريق سامي عنان من خلال خطابه انتقادات للإدارة الحالية للبلاد، حتى وإن بدت تلك الانتقادات لاذعة، أو تحدثت عن الرئيس المنتهية ولايته كمجرد مرشح محتمل، فـ "عنان" في نهاية الأمر كان يحاول طرح نفسه كمرشح منافس، والانتقاد أحد قواعد اللعبة الانتخابية.. إلا أن خصوصية المواجهة التي يخوضها الوطن مع أخطار خارجية وداخلية تتربص وتحيق به المكر السيء.. قد جعلت لغة "التشكيك" التي شابت الخطاب غير قابلة للإعراب، تلك التي استخدمها للحديث حول قدرة الدولة على إدارة ملفات وثيقة الصلة بثوابت سياستها الخارجية وأمنها القومي، لاسيما "الأرض"، و "الماء"، و"مواجهة الإرهاب"، وكذا بذور الشك التي غرسها حول احتفاظ مؤسسات الدولة بمسافة واحدة مع كافة المرشحين، وهي التي لم تنحز أبداً إلا لتراب هذا الوطن الغالي، ومصلحة أبناءه.

وأخيراً... إذا كان الفريق سامي عنان جاداً في وصفه الشعب خلال خطابه بـ "السيد"، فلعله لا يخفى عليه أن هذا "السيد" لم يعد قادراً على ابتلاع الرموز السياسية "الموسمية"، التي تلوح في سماء الوطن كظاهرة كونية لا تتكرر سوى في موسم حصد أصوات الناخبين.. رموز لم يجدها هذا "السيد" تشاطره أفراحه بالتخلص من الفاشية الدينية، واكتمال بنود خارطة الطريق، وعودة دور مصر على الصعيد الدولي، أو يجدها تشد على يديه لتقدم واجب العزاء في أبناءه الذين أرتقوا إلى السماء خلال معركة الوطن المقدسة ضد الإرهاب.

الخميس، 18 يناير 2018

حين قالت له : أحبك !!

                                                                                                                                                                                                                                                        

أسدلت أهدابها.. وقالت له: أحبك..
ثم فتحت عينيها على لا شيء..
فقد كان بمنتهى البساطة قد غادر المكان..
تركها وحيدة، غارقة في دهشتها، مشوشة الفكر تنبش عن المبرر، وساقتها الأفكار إلى الظن أنه الهرب من المسئولية، أو "نزعة شرقية" ترفض أن تبادر الأنثى بالبوح عما يختلج في صدرها من شعور.. وما كان لعقلها ليدرك حقيقة أن الدافع وراء هذا السلوك أنه يخشى في الحب "المباغتة".. حيث كان يكفي أن تتطلع إحداهن نحوه بشغف، ليشيح بناظريه عنها.. أو تناديه أنثى باسمه بغنج ليتوارى خجلاً، أو تطيل أخرى احتواء كفه بنعومة عند مصافحته ليبتل عرقاً.. لذا فقد كانت كلمة "بحبك" من بين شفتيها كفيلة بأن تجعله يقرر الفرار.
ليتها كانت تعلم قبل أن تلفظ هذه الأحرف: ب ح ب ك.. أن طبيعته تفضل الانسياب في الحب، كان يعتقد بأن الحب كالطعام يحتاج إلى نار هادئة وقليل من الصبر لينضج.. كان يرى ضرورة أن تتدفق المشاعر من القلب، ثم تنساب بهدوء ورقة كغدير عذب.. دون صخب أو ضوضاء.. فالمباغتة في الحب تصيبه بالتوتر.. يفقد على إثرها أعصابه، ويصاب عقله بالشلل، ليغدو عاجزاً عن التفكير.. كان يشعر حينها وكأن أحدهم قد تسلل إلى قلبه دون أن يطرق الباب.. كأن تستيقظ على لص داخل غرفة نومك، أو ترتعد من فأر في قلب مطبخك.. لذا كانت كلمة "بحبك" من بين شفتيها أشبه بكوب ماء بارد سقط فوق رأسه فأفقده النطق.
ربما ساقتها الأفكار في هذه اللحظة إلى أبعد من هذا التفكير، فالجرح الذي أصاب كبريائها غائر، والأثر الذي ترتب من وراء هذا السلوك صعب النسيان، وربما تلوم نفسها الآن ألف مرة، وتتمنى لو أنها ما نطقت "بحبك" وتتمنى لو أنها تريثت حتى يبادر هو وإن طال الانتظار.. والواقع أن الأمر كان أشبه بالطهي الذي تحترفه، مقادير منضبطة من المشاعر، ونار هادئة، وقليل من الصبر.. وملعقة تستمر في تقليب هذا المزيج كي لا يصاب بالركود.. لقد تعجلت ما هو كان حتماً آت، فقطفت الثمرة قبل أن تنضج.. نيئة غير ذات مذاق.

الجمعة، 13 يناير 2017

عن هدير مكاوي


عن هدير مكاوي ..
لن أقول : "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" .. فحجم التشوه الذي أصاب مجتمعنا، بات كفيلاً بأن يرتدي المئات مسوح البراءة.. وجلابيب الصحابة .. وأجنحة الملائكة، ثم يعكفون في جمع الحصي، وقذفها بكل قسوة وغل نحو رأس "هدير"، الآثمة في أنظارهم .. رغم أننا جميعاً ـ بلا إستثناء ـ مغموسون في مستنقع الذنوب، غارقون حتى رؤوسنا في الخطيئة.

عن هدير مكاوي..    
إن كانت هدير مذنبة .. فليس سوى أنها قررت في لحظة نشوة زائفة أن تمنح قلبها وثقتها لمن كانت تظنه "رجلاً"، أخفى نوايا الغدر في ثنايا حديثه المعسول، وأقنعها بأن العقد السري لن يكون سوى مرحلة نحو الإشهار، وأذنبت هدير ثانية حين لم تشك للحظة في أن هذا "الوغد" سيتركها وحيدة في العراء، تحمل على ذراعها طفلها الوليد، بينما عيون المجتمع تقذفها بكرات النار تريد إحراقها، وألسنة المحيطين ترميها بتهم الخطيئة، وتنادي بوأدها وكأنها ورم سرطاني خبيث ينبغي اجتثاثه
عن هدير مكاوي..
الآثمة .. التي فضلت أن تحتفظ بطفلها دون "اجهاضه"، متمردة على رغبة ذويها  وأهل زوجها "الجبان" بل رغبة المجتمع المشوه، قررت أن تتحمل وحدها مسئولية الحفاظ على هذا "الجنين"  حتى لا تحمله جريرة ما اقترفته يداها ويدي أباه.. أرادت أن يعيش الطفل بينما الكل يتمنى له الموت.. بل تمادت هدير "الآثمة" في غيها.. وعبرت عن سعادتها وضحكاتها وابتساماتها بهذا الطفل الذي يتحرك بين أحشاءها طيلة أشهر الحمل وحتى الولادة.. وكأنها تخرج لسانها للكون كله.. لتزيد من حالة السخط والجدل المثار حولها.

عن هدير مكاوي..
الآثمة .. التي تواجه اليوم رصاص الاتهامات واللوم والإحتقار، دون أن يطال الزوج "الخسيس" شيئاً منها.. ذلك الذي فقد ذكورته إلى حد تركها وحيدة تواجه الكون.. لا أدري كيف بلغ الغي بمجتمعنا إلى حد عقد حبال المشنقة حول رقبة الضحية بينما نمنح صك البراءة المجاني للجاني، فهو الرجل الذي لا يعيبه شيء، وهي المرأة التي كان ينبغي لها أن تنزوي في دائرة الظل تنعي وتخفي فضيحتها عن الأعين.

عن هدير مكاوي..      
لا أعرف هدير، وإن كنت متابعاً لصفحتها عبر موقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك"، ولم أعلم بحقيقة القصة إلا مع خروج نجلها "آدم" إلى النور.. وأعلم أنني نتيجة هذه الأسطر قد أواجه اتهامات قد تصل إلى التحريض على الفجور وبأني شخص "أوبن مايندد".. ولكن ما حرك في داخلي الدافع لكتابة هذه الأسطر، هو دهشتي من حجم الطغيان الذي دفع البعض إلى محاسبة "هدير"، بل بلوغ حد من الوضاعة فاجئني في رسالة على "فيسبوك" تلقيتها من شخص وهمي، عقب كتابة تعليق لدعم "هدير"، تتضمن صوراً خادشة للحياء تبدو وكأنها لـ "هدير"، وأغلب الظن أنها صور خاصة كانت بحوزة زوجها الوغد، الذي قرر ربما أن ينضم إلى فريق الطاعنين في أغلى ما تملكه هذه "الآثمة"، التي ربما تعض الآن أصابع الندم ليس لأنها أخطأت، ولكن لأنها وثقت، وتعاملت ببراءة فوق كوكب من "الأنذال".

*****

أعترف أني عندما أنقطع عن الكتابة، أفقد توازني..
وإذا توقفت عن التعبير عما بداخلي، تزداد صعوبة التعايش مع ما حولي..
وإذا فارقت القلم، تنتاب بحيرتي الركود.. ليصبح مائها ميتاً، لا تسكنه الحياة..
لذا أعود اليوم إلى الكتابة في مدونتي .. بعد غياب طال لنحو عام وأكثر..


الأربعاء، 19 أغسطس 2015

كم أشفق على الزوجة الثانية ؟!!




كم أشفق على الزوجة الثانية ؟!!

قد يبدو حديثي صادماً ، فالغالب يرون أن الزوجة الأولى هي من يستحق مشاعر الشفقة وإحساس التعاطف وعبارات المواساة.. بينما لا تستحق الزوجة الثانية ”خطافة الرجالة" كما ينعتونها .. سوى مشاعر البغض وإحساس الكراهية وعبارات التوبيخ.

ولكني أشفق على الزوجة الثانية ، وأراها الأحق بالتعاطف والمواساة ، وأرى أن الظلم الواقع عليها أكبر وأعمق ، من ذلك الذي يقع على الزوجة الأولى حين تشعر أن زوجها لم يعد ملكاً لها وحدها ، بل أن لها فيه شريكة ، سوف تتقاسم إياها مع ذلك الرجل ، العمر والوقت والمشاعر واللحظات الحلوة والمرة وليالي الحب.

إن الزوجة الثانية تتحمل عبئاً كبيراً حيث يكون عليها سد كل مكامن النقص التي يراها الزوج لدى الزوجة الأولى ، وتعويضه كل ما يشعر أنه قد تحمله وقاساه في بيته الأول.
والزوجة الثانية ليس أمامها بديل آخر عن أن يجد الزوج لديها كل ما لم تستطع الزوجة الأولى أن تمنحه إياه .. فعليها أن تتجنب كل ما دفع الزوج للبحث عن بديل لواحته الأصلية، فهي مرغمة على أن تبتعد عن الرتابة والكآبة والنكد والملاحقة والزن ورائحة البصل والعرق والدموع .. عليها أن تتجنب ذلك كله .. وأن تتزين وتتعطر وترسم إبتسامة عريضة وهي تستقبل "سي السيد" مهما كان يعتصرها من ألم أو تعب أو معاناة.

إن الزوجة الثانية لا تملك رفاهية أن تشكو إلى أحد ـ حتى إلى أقرب الناس إليها ـ فهي تعلم جيداً الرد الذي ستتلقاه .. "ماحدش ضربك على إيدك" ، وعبارات عن "القربة المخرومة" التي وافقت على حملها منذ البداية ، وكثير من اللوم .. فهي مرغمة على أن تتحمل كل سخافات الزوج ومصائبه بصمت وسكون ، وأن تعالج كافة الأمور بمفردها، وتتحمل تبعات ذلك كل من الكبت الذي يولد الضغط النفسي والعصبي.

إن الزوجة الثانية تتحمل نظرات المجتمع إليها كلص سرق زوجاً ، دون أن يحاول أحد أن يدرك أنها أيضاً ضحية .. وأن لحظات الحب والفرح في حياتها لن تتجاوز شريطاً سينمائياً قصيراً .. فهي في مهب أحاسيس من الخوف وعدم الثقة ، الخوف من أن يتسلل الملل إلى زوجها ، فتغدو مطلقة ، وعدم الثقة في أن يأتي يوم ويشاركها فيه زوجة ثالثة.

الأربعاء، 13 مايو 2015

السيسي Vs تشرشل


"ليس لدي ما أقدمه .. سوى الدماء، والكدح، والدموع، والعرق"

كم هي قريبة هذه العبارة، من واقعنا الذي نعيشه ؟؟

في يوم كهذا، الثالث عشر من مايو، من عام 1940، قال هذه العبارة ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني (1874 ـ 1965) في خطابه الأول أمام مجلس العموم، كان خطابه صادماً، حيث حمل قدراً كبيراً من المصارحة والمكاشفة للشعب، وعبر بمنتهى الصدق عن تلك المرحلة الدقيقة التي كانت تعيشها بريطانيا، التي كانت تأن تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة، وواقع سياسي معقد، بينما طبول الحرب العالمية الثانية قد بدأت تدق.
    
أتذكر تلك العبارة وذاك الخطاب، كلما إستمعت إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي يخاطب الشعب، فكلمات الرئيس أيضاً تأتي واقعية، وخطاباته لا تحاول تجميل الواقع بقدر ما تسعى لإيضاح الحقائق وكشفها أمام المواطن المصري بلغة بسيطة وعبارات غير معقدة. وكما كان تشرشل يحاول أن يوضح للمواطن الإنجليزي حينها، كيف أن المرحلة صعبة وتحتاج إلى الجهد والدمع والعرق، فالرئيس السيسي يحاول اليوم أن يؤكد في كل مرة يطل فيها على مواطنيه، كيف أن مصر تبنى من جديد، ولكنها تواجه حالة مخاض صعيبة في ظل محاولة تجاوز مرحلة التراجع الإقتصادي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المصرية الحديثة على أسس سليمة، فالمرحلة غير سهلة ولا نملك فيها رفاهية الراحة والعبث، بل وحتر رفاهية المحاولة، فليس لدينا نحن المصريون خيار آخر غير أن نبني بلادنا ونستعيد دورنا بين أمم العالم وشعوبه، هذا ما يحاول الرئيس السيسي أن يؤكده لمواطنيه، وما تحاول الحكومة الحالية أن تعمل من أجل تحقيقه، وكأنه يود أن يقول "ليس لدي ما أقدمه .. سوى الدماء، والكدح، والدموع، والعرق".
  
لم تكن عبارة "ليس لدي ما أقدمه .. سوى الدماء، والكدح، والدموع، والعرق"، هي وحدها التي استحضرها اليوم لتعبر عن واقع مصر الذي نعيشه، ففي خطاب تشرشل، إختتم رئيس الوزراء البريطاني حديثه قائلاً : "سنحارب ونقاتل، وستزداد ثقتنا وتغمرنا قوتنا، سندافع عن أرضنا مهما كان الثمن، لن نستسلم أبداً، وسنؤدي واجباتنا، ونتحمل سوياً، وسيقول الرجال يوماً ما، أن تلك اللحظة هي أروع اللحظات التي مرت بهم". 

الجمعة، 20 مارس 2015

مصرُ المستقبل .. لحظةٌ فارقة


اللحظاتُ الفارقةُ المُفرحة في حياتي يمكنني أن أعُدُها على أصابعِ إحدى يداي، ولم تكن تلك اللحظات الفارقةُ، فارقةً في حد ذاتها، وإنما من أجل المقدمات التي أفضت إلى تلك اللحظات، وليس ما أقوله هنا ضرباً من الجدل الفلسفي أو التأمل الأفلاطوني، وإنما توصيفاً واقعياً لحقائقَ لمستُها في مراحل عمري المختلفة. فلحظة اجتياز الثانوية العامة بمجموعٍ مرتفعْ لم تكن لحظةً فارقةً في حد ذاتها،  بل كانت اللحظة الفارقة قبلها بعامين حين اخترت أن أدرس بالقسم الأدبي، كما أن لحظة زفافي لم تكن لحظةً فارقةً، إذا ما قورنت بلحظةِ أن تلقيتُ مكالمةً هاتفيةً من والدي قبل الزفاف بعامْ يبلغني فيها موافقته على ارتباطي بالمرأة التي أحببت، وكذلك لحظة ولادة ابني الأول، فإنها تتضائل كلحظةٍ فارقة، حين أقارنها بلحظة أن أبلغتني زوجتي الحبيبة قبل الولادة بتسعة أشهر : أنا حامل .

وظلت اللحظات الفارقة المفرحة في حياتي، ترتبط وتلتصق بأمور شخصية، وطموحات وأمنيات خاصةً بي، حتى كان يوم 11 فبراير 2011 فقد مثل رحيل الرئيس حسني مبارك حينها أول اللحظات الفارقة المفرحة في حياتي التي انسلخت عن دائرتي الشخصية، لكونها مهدت للخلاص من أطماع تلك الأسرة في التوريث وهيمنة رأس المال و إغراق مصر في الديون والفساد والمواد المسرطنة على مدار 30 عاماً كاملة.. ثم جاء يوم 30 يونيو 2013 ليمثل ثاني تلك اللحظات الفارقة المفرحة، فقد مثل بداية النجاة من حكم عصابة الإخوان الإرهابية التي كادت تغرق مصر في دوامة من التقسيم والتطرف والجماعات الجهادية و الخلافة، وأخيراً جاء يوم 15 مارس 2015 ليحتل مكانة متفردة بين اللحظات الفارقة في حياتي، فيومها شعرت والمصريين من حولي، أن مصر تولد من جديد وتستعيد طاقتها وتستيقظ وتنهض لتواصل مسيرتها بين الأمم.  

اليوم  15 مارس 2015 .. التوقيت : 1.30 ظهراً .. المكان :  القاعة الرئيسية بمنتجع جولي فيل بمدينة شرم الشيخ ..الحدث : الكلمة الختامية للرئيس عبد الفتاح السيسي في آخر أيام مؤتمر دعم وتنمية الإقتصاد المصري .. كان لكل شيء يومها مذاق خاص .. المكان، الحضور، التنظيم، الصوت، الإضاءة، القاعة، المقاعد، ولكن كان المذاق الأكثر خصوصية في كلمات الرئيس الحماسية الدافعة نحو الأمام .. فكلمة "تحيا مصر" كانت تنطلق من فم الرئيس لتخترق قلوبنا كسهم نافذ، فيتحرك الدمع على إثرها من مآقينا .. كان "تحيا مصر" هتافٌ يلامس وجداننا، ويطلق الدمع، فنحن نسمعه بعد أن أوشكنا نشعر قبل 30 يونيو أننا سنمكث عقوداً طويلة في عصور الظلام والجهل والهمجية والتطرف .

كما كانت كلمات الرئيس مشحونة بطاقة لانهائية من التفاؤل والأمل في أن مصر تستيقظ وتنطلق، بل تندفع نحو مستقبل مشرق .. وإلى جانب الأمل، أفصح خطاب الرئيس عن جانب كبير من التحديات والصعوبات التي نواجهها بقدر كبير من الشفافية والوضوح، فقد كانت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول التحديات واضحة ومحددة لا تحتمل التأويل، كان كالأطباء الغربيين الذين يواجهون المريض بمرضه حتى وإن كان المرض صادماً فاتكاً ومميتاً كالسرطان.. فقد كان الرئيس شديد الصراحة وهو يخبرنا أننا تأخرنا كثيراً، وأنه بات لزاماً علينا أن نركض لنلحق بركب الحضارة والتقدم .. "وياريت الجري كفاية" .. كان واضحاً حين كشف لنا أن ما أسفر عنه مؤتمر مصر المستقبل الاقتصادي ليس أموالاً مباشرة وإنما مشاريع تحتاج إلى سنوات لتنتهي وتبدأ العمل، مشاريع بقروض وفوائد وفترة سماح تفرض على "المصريين" كما قال الرئيس التزاماً بسداد أقساطها في توقيتاتها دون تأخير .. وكان الرئيس مباشراً حين كشف أمام ملايين المصريين كيف يتفاوض من حساب كرامته ليتمكن من توفير ملايين الدولارات من قوت هذا الشعب الكادح، وكيف أن مصر لا تحتاج أقل من 300 مليار دولار حين يمكن بناؤها من جديد ويتحقق كل ما يستحقه الشعب المصري من الرخاء والرفاهية.

  حظيت مصر في أعقاب مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري، بقدر وافر من المساندة السياسية، والدعم الإقتصادي، والحشد الشعبي، كما أيقن العالم أجمع أن هذا الوطن ليس لقمة سائغة، فمصر أصبح لها قائد يصارح شعبه بالتحديات، وقادر على حشده في المصاعب والإحتفال معه في الإنتصارات، كما أن بها شعب يدرك جيداً ما يواجهه، ومستعد للعمل وبذل الجهد بكل صبر لتحقيق المستقبل الذي ثار من أجله مرتين، والرخاء الذي يستحقه له وللأجيال القادمة.  

الأحد، 22 فبراير 2015

السيسي .. ونخوة المعتصم




نامت مصر ليلة الأحد الماضي، الخامس عشر من فبراير، باكية، حزينة، مكسورة.. ثم إستيقظت صبيحة اليوم التالي، السادس عشر من فبراير، ضاحكة، فرحة، عزيزة .. كان السر وراء هذا التأثير السحري يكمن في تلك المقاتلات المصرية التي غادرت عرينها قبل أضواء الصباح، محملة إلى جانب الصواريخ والقذائف، بغضب 95 مليون مصري .. لم ينيمهم في تلك الليلة السوداء، مشهد الذبح المروع لـ 21 مصرياً على أحد الشواطئ الليبية على أيدي عصابات داعش .. خرجت الطائرات الغاضبة تطلب الثأر ، ثم ما لبثت أن عادت وقد إستعادت لهؤلاء المصريين الكرامة والشرف .

الشعب المصري فريدٌ من نوعه .. فلا أحدَ من بين شعوب العالم يستطيعُ أن يتحمل نصفَ ما يتحمله هذا الشعب، أو يفكر كما يفكر .. فحين تنطلق الطائرات الحربية في أية دولة ، يضع المواطنون أيديهم على قلوبهم، يهرعون ليغلقوا النوافذ بالترابيس، ثم يضموا أطفالهم إلى صدورهم في حنان ليمنحوهم السَكينة.. مجرد سماع هدير تلك الطائرات كفيل بإثارة الرعب لدى المواطنين، ودق ناقوس الخطر حول قدوم "الحرب"، وهي الكلمة التي تمقتها شعوب العالم، لما تحمله الحروب من ويلات ودمار و نار وفقدان للمسكن والمال والروح والأصدقاءوعلى العكس .. فإن سماع هدير الطائرات فوق سماء مصر كفيل بإثارة مشاعر البهجة لدى المصريين.

قد يرى البعض أن شريحة الشباب بين العشرين والأربعين هم الأكثر فرحاً بإنتفاض القوات المسلحة للثأر لدماء شهداء، فهم من ولدوا وعاشوا في عصور السلام والهدوء والإنسجام مع شعوب العالم، عصور الإنفتاح الإقتصادي والتبادل التجاري، عصور العولمة وتحول العالم إلى قرية كونية .. هم لم يشهدوا أي حرب على الإطلاق، ولم يقاسوا مرارتها .. هم من قضوا ثلاثون عاماً من عمرهم تحت حكم شخص واحد .. هم من لم يستشعروا إحساس العزة قط ولم يشعروا بفخر كلمة "الوطن"، هم من ضعف إرتباطهم بوطنهم إلى حد البحث عن فرص العمل خارج حدوده حتى ولو تعرضوا لخطر أن يكونوا لقمة سائغة لأسماك القرض وسط أمواج البحر المتوسط.

على الجانب الآخر، قد يشعر أباؤنا ممن تجاوزوا العقد الرابع بنوعٌ من الإنقباض وهم يسمعون هدير الطائرات الحربية يملأ سماء مصر، فهم من عاصروا عشرات الحروب بدءاَ بحرب فلسطين والعدوان الثلاثي وحرب 67 وحرب اليمن وحروب الإستنزاف، ثم حرب أكتوبر المجيدة .. معارك لرد الشرف وأخرى لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل .. حروب دمرت خلالها مُدن، وشردت خلالها أُسَر، وأخرت تقدم مصر نحو المستقبل .. هؤلاء نلتمس لهم العذر فهم من يعرفون حقيقة أن الحرب ليست نزهة، وأن إشعال فتيلها لا يعني بالضرورة أنك قادر على إخمادها ثانية، وأن خروج الطائرات لضرب مواقع خارج الحدود لا يضمن لها سلامة العودة إلى مممراتها مرة أخرى.


لاشك أن هذه الضربة العسكرية كانت رداً مناسباً ومتناسباً مع حجم الحادثة التي لم تتكرر على مر التاريخ، فكرامة المصريين كان لها دوماً ما يصونها ويدافع عنها حتى ولو تمت الحادثة خارج الحدود المصرية.. والأمثلة حول ذلك عديدة .. وإن كانت تلك الضربة تثير داخل البعض مخاوف التهور والإنزلاق أكثر في حرب خارج الحدود فعلى القيادة السياسية أن تتسلح بالحكمة والشفافية في طرح مايتعلق بتداعيات الضربة على الرأي العام، كي لا يكون المواطن المصري نهباً لقنوات معادية ومواقع مأجورة تتناقل قصصاً عن تدخلات برية في ليبيا وأخرى تتحدث عن رهائن مصريين جدد، فحين يتعلق الأمر بالأمن القومي لهذا الوطن فلابد لأن يكون للوطن منبر إعلامي واحد.

الأحد، 25 يناير 2015

شَيْمَاءْ الْصَبَاغْ .. وَأَشْيَاءُ أُخْرَىْ !


اللعنة على حالة الغليان التي تعيشها المنطقة العربية منذ نحو أربع سنوات .. وتيرة الأحداث تتسارع على نحو يبعث على القلق، ويجعل من الصعوبة بمكان، أن تقف للحظات لتراقب الأوضاع من حولك، وتخضعها للتحليل ، لاسيما أن تكتب عنها .فمنذ أيام، بدأت في كتابة تدوينة جديدة عن "فن المسافات" بين البشر والأحبة .. ولم أكد أنتهي من بضعة أسطر، حتى سقط النظام اليمني الجديد في فخ عصابة الحوثيين .. فقررت أن أكتب حول حالة اليمن ومستقبل مضيق باب المندب وقناة السويس .. وما أن أمسكت بالقلم، حتى غيب الموت العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.. فما أن أوشكت أن أنعي الفقيد العظيم حكيم العرب.. حتى سقطت شيماء الصباغ  !

رحم الله شيماء الصباغ وأسكنها فسيح جناته وألهم ذويها وطفلها الصبر .. ولعن الله قاتلها أياً كان ، وأياً كانت هوية البندقية التي كان يحملها ـ ملكي أو ميري ـ والتي أطلق منها الخرطوش الأسود ليغتال روح شيماء بكل خسة. والحقيقة أن زمن .. "الطرف الثالث" .. "اللهو الخفي" .. "الملثم" .. "اليد العابثة" قد مضى هذا الزمن ولملم أذياله ورحل .. والعدو الذي تواجهه مصر ، قد بدا، وظهر، وتجلي، وأطل بوجه القبيح، وبدأ يطلق الرصاص ويزرع العبوات الناسفة منذ نحو عام ونصف ضد الشعب بأكمله .. مواطنين وشرطة وجيش وقضاء . فالجماعة الإرهابية لا تدخر جهداً في سبيل إشعال  الشارع المصري وتحريكه في الإتجاه الذي يخدم مصالحها في عودة نظام المرشد ثانية إلى سدة الحكم، لذا أتعجب حين أجد من يسأل : من قتل شيماء الصباغ ؟ ، بل وأتعجب أكثر حين يشير البعض لأصابع الاتهام لوزارة الداخلية .

ولكن حين يواجه الوطن إرهاباً حقيقياً ويمضي لتنفيذ خطة جادة للإنقاذ الإقتصادي .. فإن آخر ما يحتاجه من مواطنيه ، الخروج للتظاهر .

وإلى باب المندب، حيث من المتوقع أن تفرض التحولات السياسية على أرض اليمن واقعاً جديداً في البحر الأحمر .. وربما أدرك اليوم فقط لماذا بعث جمال عبد الناصر قوات مصرية لتشارك في حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي .. كنا ننعت هذا السلوك من جانب الزعيم الراحل، بالتهور وإقحام مصر في معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل .. ولكن يبدو لي الآن كما كان يدرك أن كل ما يحدث في اليمن سيكون له صدى في مصر، وأنه لا يمكن السماح بأي حال من الأحوال لأي شيء يمكن له أن يؤثر يوماً ما على قناة السويس شريان الحياة . لست أحبذ أي تدخل عسكري مصري في أية بقعة في العالم ولكن على المصريين أن يدركوا أن وصول الحوثيين إلى الحكم في صنعاء يمثل تحدياً جديداً لمصر إلى جانب الحرب على الإرهاب، وسد النهضة، والنمو الإقتصادي، تحدياً لا يهدد حاضر قناة السويس بل ومستقبل القناة الجديدة ، وعلى مصر أن تعمل مع شركائها في العالم لضمان تأمين مرور السفن في مضيق باب المندب.

ولأشقائنا في المملكة العربية السعودية ، أتقدم باسم مدونة "موجة" بخالص العزاء في وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، متمنياً للملك سلمان بن عبد العزيز والأسرة الحاكمة الاستمرار في نهج المملكة في دعم قضايا الأمة العربية والإسلامية والسلام في العالم.  

الأحد، 11 يناير 2015

شَارلْ إِبدوْ .. فُرصةٌ أَخيرةْ !


لا أستطيع أن أخط حرفاً ، إلا إذا كنت غاضباً أو سعيداً .. فالمساحة الرمادية ما بين الشعور بالغضب و الإحساس بالسرور ، لا تمنحني الإلهام والإبداع ولا الطاقة الكافية للجلوس، والإمساك بالقلم، وإجتذاب الأفكار، لأكتب فوق الأوراق، تدوينة أو مقالاً أو رسمة أو حتى قصيدة شعر.. لابد أن يتملكني شعور واضح محدد وصريح .. إما أن يدفعني ما يحدث حولي لأن أتفجر غضباً ، أو يغمرني بالسعادة.

كل من إعتاد أن يكتب أو يرسم أو يمارس أياً من صنوف الإبداع ، لابد وأن يكون قد تملكه الغضب وهو يتابع حادث مجلة "شارل إبدو" الفرنسية وتداعياته .. إطلاق نار يودي بحياة 11 من الكتاب وراسمي الكاريكاتير ورجال الأمن بالمجلة .. حادث إرهابي رغم أنه ليس الأول ولن يكون الأخير، إلا أنه يختلف عما نشهده يومياً من أحداث إرهابية على وجه هذا الكوكب التعس ، لكونه تم ضد أصحاب رأي جرتهم أقلامهم إلى صنع رسوم ومقالات، كانت سبباً في إكتساب خصومة من يجدون في الرصاص وسيلة للنقاش ، وفي الدماء أسلوباً لحسم الخلاف .

والحقيقة أننا نحن المصريون قد أصابتنا "البلادة" تجاه الأحداث الإرهابية بعد أن غدت خبراً دائماً في نشرات الأخبار كل مساء .. فلم تعد تهتز لنا شعرة إذا ما سمعنا صوتاً مدوياً، بل أن البعض يرى في عملية تفكيك عبوة ناسفة فرصة جيدة للفضول والمشاهدة وإلتقاط صور "سيلفي" .. لقد أمسينا نتساءل عن عدد ضحايا التفجير الذي حدث كل يوم ، بالبساطة التي نسأل بها عن الساعة أو برودة الطقس.

ورغم ما أصابتنا من "بلادة" فقد راقب المصريون حادث "شارل إبدو" بمناظير مختلفة، حيث رأى المثقفين أن هذا الحادث يعد إنتكاسة في العلاقة بين الغرب والدول الإسلامية والعربية، حيث يعيد تشويه صورة الإسلام وربطه بالتطرف بشكل يساهم في لجو الغرب إلى ممارسات عدائية ضد المسلمين، تتمثل في المزيد من التفتيش والحذر والتعقيدات تجاه رعايا الدول الإسلامية والعربية عند منحهم تأشيرات الدخول للدول الغربية أو عند إقامتهم في تلك البلدان.

على الجانب الآخر، رأى البسطاء من المصريون وهم السواد الأعظم ـ وأنا منهم ـ أن هذا الحادث نقطة في صالح مصر، فلابد لهذا الحادث المؤلم أن يدفع فرنسا ومن وراءها الدول الغربية إلى إعادة حساباتها فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ، وإدراك أنها أخطات يوم تركت مصر وحيدة في الحرب التي تخوضها ضد الإرهاب .. وأنه ينبغي على تلك الدول اللحاق بركب مصر ليخوض العالم أجمع حرباً عالمية مشتركة للقضاء على الإرهاب الذي لا يحصد سوى الأبرياء وتجفيف منابع تمويله .. إنها الفرصة الأخيرة التي على تلك الدول الغربية أن تقتنصها ، خاصة إذا كانت لم تنسى بعد أنها هي من صنعت هذا الإرهاب وقامت برعاية رموزه ثم أعادت تصديره إلى بلادنا.       

الثلاثاء، 6 يناير 2015

لهذا أسميتها "موجة" !!


أنا مدون ولست مدونة  !!

منذ أطلقت المدونة يوم الإثنين الموافق 19 نوفمبر 2007  ، أسميتها "موجة" .. وأوضحت في التدوينة الأولى، لم أسميتها "موجة" .. وأنه برغم كوني لا أتقن العوم فإني أعشق البحر إلى درجة أني أعتبره صديقي الأقرب ، فهو الوفي الذي أفضي إليه بكل ما يدور في داخلي من أفكار وهواجس وآمال، فلا يفشي سري لأحد .. كما أني أشعر أن أمواجه تبعث في داخلي السكينة إذا أقبلت على الشاطئ بهدوء، وأخالها تعنفني إذا ضربت الشاطئ بعنف .. بل بلغ عشقي للبحر أن تمنيت يوماً لو أصبحت "موجة" ، تتحرك بحرية بين الشطآن، موجة قادرة رغم تكوينها الضعيف على نحت صخور الشاطئ إذا تسلحت بالصبر ، موجة بإمكانها أن تساعد السفن على أن تصل لوجهتها في سلام، وقادرة في أحيان أخرى أن تدفعها نحو الأعماق. 

لهذا أسميت المدونة "موجة" ، ولم أتصور حينها أن هذا الإسم سيدفع الكثيرون إلى الظن أن محرر هذه المدونة هي "أنثى" ، ربما يكون معهم الحق في هذا الظن ، فـ"موجة" إسم مؤنث ، يكاد يكون الأقرب إلى أن تختاره مدونة وليس مدون ، ولهذا أحببت أن أوضح لكل من يزور مدونتي المتواضعة من زوار أعزاء ، أنني محرر هذه المدونة هو في الحقيقة مدون ، ولكننا إعتدنا جموع المدونين على أن نطلق على مدونتنا الإسم الأقرب إلينا ، الإسم الذي يشبهنا أكثر من غيره، وأنا لم أجد إسماً أقرب إلي، أو يشبهني، أكثر من "موجة" .. لذا أسميتها مدونة : موجة.


قد تكون الفرصة سانحة لكي يعلم زوار المدونة عني المزيد، أنا شاب، أقترب من العقد الثالث، الإبن الثاني بين خمسة أبناء وبنات، زوج، أب لإبن وإبنة، من مواليد برج الأسد، أعمل في وظيفة حكومية مرموقة، أعشق القراءة والكتابة والرسم، "رغَاي" أحادث نفسي إذا لم أجد من أتحدث معه، لا أحب من الخضراوات الطماطم ولا من الفاكهة الكنتالوب، غير مدخن، أسري، لا أحب المرتفعات، مبذر لا أتقن التوفير، أعشق الشتاء والسير تحت المطر، لا أحب النوم، منضبط المواعيد.   

الخميس، 1 يناير 2015

ماذا لو ... ؟!


إعتدنا كلما أوشك عام على الإنقضاء، واقترب آخر من القدوم .. أن يجلس كل منا ليسترجع ما حدث خلال العام المنصرم .. ماذا حقق، في ماذا أخفق، اللحظات الحلوة، والساعات المرة، ما كسبه، وما فقده، لمن سبب الفرح، ولمن تسبب في الحزن .. وما أن تتسابق عقارب الساعة لتعلن إنتصاف ليلة 31 من ديسمبر .. يغلق كل منا عينيه .. لتبدأ شفتيه في التمتمة بما يختلج في صدره من أمنيات، يرجو أن تتحقق في العام الجديد، مزيد من السلام، والنجاح، والسعادة، والمفاجئات السارة.

أعلم أن "لو" كلمة عبثية، لاقيمة لها، تعد بمثابة ندب، وبكاء على اللبن المسكوب .. بل توصف "لو" بأنها "تفتح عمل الشيطان" .. ولكنني اليوم، وأنا أتذكر ما كان من شأن عام 2014 ، وأحاول التعليق على زخام الأحداث الذي شهده هذا العام الحافل، لا أجد سوى تعليق واحد : ماذا لو ؟!

ماذا لو كانت ثورة الثلاثين من يونيو باكورة ثورات مصر في الفترة الراهنة ؟ 
لقد كانت ثورة 30 يونيو بمثابة تصحيح لمسار ثورة 25 يناير، حيث شهد عام 2014 إجراء الإستفتاء الشعبي على الدستور الجديد في شهر يناير، ثم إنتخاب الرئيس في شهر يونيو، قبل أن تستعد البلاد حالياً لإختيار مجلس النواب في إبريل 2015 .. لقد بدأت مصر منذ مطلع عام 2014 تسير وفق خارطة الطريق التي ينبغي أن تتبعها عقب رحيل الرئيس مبارك في 11 فبراير 2011 ، ولكن مضى الوطن مدفوعاً بأطماع التيارات الإسلامية في طريق مشوه بدأ بإنتخاب برلمان 2012 أولاً ثم الإستفتاء على دستور مشبوه وأخيراً إنتخاب رئيس شكل نقطة سوداء في تاريخ مصر الحديث .. إن ما خسرته البلاد منذ إندلاع الثورة الأولى وحتى تفجر الثورة الثانية من نزيف سياسي وإجتماعي وإقتصادي وأمني ، هو ما يدفعني إلى أن أتساءل : ماذا لو ؟  


ماذا لو كان الرئيس عبد الفتاح السيسي أول رؤساء مصر بعد ثورة 25 يناير ؟ 
ليس تملقاً فلا أتقن فنون النفاق ، ولكن الرئيس عبد الفتاح السيسي نجح منذ توليه المسئولية في يونيو 2014 في أن يضيف إلى منصب الرئيس ومؤسسة الرئاسة نكهة من الإنضباط والرقي والتناغم والإنسانية التي كانت غائبة منذ عقود .. كما كان الرئيس السيسي بعثاً لفخر المصريين منذ رأوه يدخل قصر الرئاسة لأول مرة بمشية عسكرية واثقة ، وحتى شاهدوه خلال زيارته الأخيرة للصين يتحرك ويتعامل بحيوية وندية بدأت تعيد لمصر الكثير من مكانتها وثقلها الدولي الذي كادت تفقده .. لقد تمكن الريس السيسي من توحيد غالبية المصريين حول أهداف وطنية ومشروعات قومية كانت كفيلة ليهرع رجال الأعمال والمصريين البسطاء كتفاً بكتف للمساهمة ولو بقدر يسير في دعم إقتصاد مصر وإدراك أن بإمكان أي مواطن مصري مهما كان بسيطاً أن يساهم ويؤثر في مستثبل بلاده ويضمن لها أسباب الرفعة والتقدم.

ماذا لو كانت حكومة المهندس إبراهيم محلب بديلة عن حكومة الفريق أحمد شفيق ؟
فماذا لو كان قد تم تكليف المهندس إبراهيم محلب في 31 يناير 2011 بتشكيل الحكومة بديلاً عن الفريق أحمد شفيق ؟ فمن يعرف المهندس إبراهيم محلب عن قرب ، يدرك أن تشكيله للحكومة بعد ثورة 25 يناير قد تأخر لثلاث سنوات ..  فقد ساهم المهندس إبراهيم محلب منذ توليه المسئولية في مارس 2014 في إحداث ثورة في منظومة العمل في مختلف القطاعات في الدولة ، وذلك نتيجة حرصه على الدمج بين عقد اللجان والإجتماعات وبين الزيارات الميدانية والجولات المكوكية في المحافظات المختلفة .. إنه نموذج أكثر شباباً من كثير من الشباب .. فرغم أعوام عمره السبعين إلا أنه قليل النوم ، كثير الحركة ،لا  يهدأ، ولا يخاف، ولا تفتر عزيمته، رغم كل ما يواجهه من صعوبات تتعلق بميراث عريق من فساد الإدارة وتعقيدها .. لقد ساهمت حكومته في إعادة جانب كبير من الأمن وإيقاف نزيف الإقتصاد وإعادة الثقة إلى المواطنين والسائحين والكثير من رجال المال والإقتصاد والمستثمرين.

ماذا لو لم تظهر جماعة الإخوان وجهها شديد القبح والوحشية والتطرف ؟ 
أظل أتساءل ماذا لو غادرت جماعة الإخوان المشهد السياسي بهدوء عشية ليلة الثلاثين من يونيو 2013 ؟ ماذا لو لم تحشد كل ما تمتلكه من أسلحة وحقد وكراهية لتدخل في مواجهة شاملة مع مصر بشعبها وجيشها ورجال أمنها ؟ لقد شهد عام 2014 نزيفاً مؤلماً من مواطني مصر وجنودها البواسل في معركة ضارية ضد إرهاب أسود لا يراعي حرمة الدماء بين أبناء الشعب الواحد .. وتظن الجماعة أن الشعب المصري يدفع ثمن وقوقفه بجوار جيشه في هذه المعركة، والحقيقة أن الجماعة من خلال هذه المعركة تحترق، وتنتحر سياسياً، وتلتف كالحية حول جسدها لتخنقه .. إنها لا تواجه بلادها فحسب بل تتآمر عليها مع كل من يمد لها يد العون من قوى خارجية وأجهزة إستخبارات معادية، ولكن يظل الكثير من المصريون يؤمنون أن عام 2014 بقدر ما كان مؤلماً لهم بقدر ما كان سعيداً للخلاص من هذه العصابة التي كادت تعبث بمقدرات أمن الوطن وتعيده إلى الوراء قروناً نحو الظلام.    

على الصعيد الشخصي كان عام 2014 سعيداً ، رزقني الله في 17 سبتمبر بكريمتي "كرمة" ، كما حققت في مجال عملي الكثير، رزقني الله وإياكم الصحة والسعادة :)

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

إعلاميون بلا إعلام



ليس أصعب على المواطن المصري في هذه الآونة ، من أن يكون محايداً ذو وعي ..إنها صعوبة أضيفت إلى فيض الصعوبات التي يكابدها هذا المواطن الكادح، منذ الصباح وحتى المساء .. بل ربما تكون قد أصبحت أصعب عليه اليوم من أن يستقل مترو الأنفاق من محطة الشهداء .. وأصعب من أن يعبر الطريق الدائري مترجلاً من جانب لآخر .. بل وربما أصعب من أن يصل في موعده، إذا توقف به كوبري أكتوبر.

إنها صعوبة العصر وإشكالية المرحلة .. والحقيقة أن هذا المواطن البائس كما لا يتحمل مسئولية أي من الصعوبات في حياته، فإنه ليس له أي ذنب في الوصول إلى هذا الحد ، الذي لا يملك فيه أن يكون محايداً ذو وعي .. فإعراب "المواطن المصري" في هذا الموضع ، هو مفعول به .. بينما الفاعل ، ضمير مستتر ، تقديره "وسائل الإعلام" .مضت ثورة 25 يناير وخلفت وراءها الكثير من الآثار، قليل من الإصلاحات وكثير من التشوهات ، إنفلات أمني .. تراجع إقتصادي .. عراك سياسي .. عنف وإنفجارات .. مناخ طارد للسياحة والإستثمار .. وكذلك واقع جديد للإعلام المصري. 

فقد وجدت وسائل الإعلام أمامها آفاق أكثر إتساعاً لطرح القضايا الشائكة بمزيد من الحرية والجرأة .. ولكنها حرية غير مشروطة بأي ضابط مهني أو أخلاقي أو مجتمعي. ويظل أكثر ما يشغلني في هذا الواقع الجديد للإعلام المصري ، ظاهرتان : الأولى تتمثل في برامج التوك شو ، والثانية تتعلق بالإتصالات الهاتفية للمواطنين :
  • برامج التوك شو
يصعب علي أن أستوعب كيف تحولت برامج التوك شو فجأة من فقرات لإستضافة عدد من المسئولين والخبراء للحديث حول بعض قضايا الدولة والمجتمع، تحولت إلى مسخ .. نعم مسخ .. طاولة عليها "مج"، وراءها كرسي، فوقه شخص، أمامه ميكروفون.. يتسلم آذاننا وعقولنا كل ليلة، لثلاث أو أربع ساعات .. ( رغي في رغي كلامك سلطة ) .. ثلاث ساعات يبث خلالها أراءه أو توجهات ملاك الشاشة التي يطل من خلالها..  يتحدث لثلاث ساعات دون أن يقاطعه أو يناقشه أو يحاوره أحد .. ثلاث ساعات يتحدث هو فقط ويكون لزاماً علينا نحن جميعاً أن نستمع إليه .. ثلاث ساعات من التحريض والتخوين والتشويه واللعن والسب و إهدار الوقت فيما يلا ينفع .. بل يضر. وأخطر مافي هذا النوع من البرامج أنه يقتحم كل بيت، دون إستئذان .. يكفي أن تدير التلفاز ليشاركك هذا المدعو "إعلامياً" في سهرتك الأسرية بين زوجتك وأبناءك .. كما أنها برامج شديدة التأثير على المواطن سواء كان بسيطاً أو متعلماً .. وقد مارست بالفعل دوراً محورياً وساحراً في تشكيل وعي المواطنين والتأثير على طريقة فهمهم لما حولهم من ظواهر .. فيكفي أن تستمع لأحمد موسى لتلعن ثورة 25 يناير وتصدق أنها صنيعة الغرب وأن من ملأوا الميادين ليلة 28 يناير حفنة من حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني ؟!! ويكفي أن تشاهد توفيق عكاشة لتؤمن بأن سرقة سيارتك الفيرنا موديل 99 من أسفل منزلك الشهر الماضي هي جزء من حروب الجيل الرابع التي يخوضها التحالف (الأنجلوصهيوأمريكي) ضد مصر .. ويكفي أن تتابع مصطفى بكري أو أماني الخياط أو مجدي الجلاد أو عبد الرحيم علي، لكي تشك في أمك وأبيك.. ولا تكف عن التلفت يمنة ويسرة .. خشية ما قد يرتبص بك من مؤامرات .  

ولا أستطيع أن أغفل هنا ظاهرة أخرى لصيقة بمرحلة ما بعد ثورة 25 يناير ، وهي إقصاء الإعلامي من أمام ميكروفون التليفزيون والإذاعة، لصالح فئة أخرى كثيرون منها محترفون في مجالاتهم ولكنهم شديدي التواضع في مجال الإعلام.. ويأتي على رأس هؤلاء "الصحفيون" الذين فارقوا أقلامهم وبلاط صاحبة الجلالة ، "ولاعبو الكرة" الذين تركوا المستطيل الأخضر، و "الممثلين" الذين غادروا بلاتوهات التمثيل .. ليصبح هؤلاء جميعاً من نجوم الإعلام المؤثرين على وعي المواطنين.           
  • الإتصالات الهاتفية للمشاهدين
 لا أكف عن التفكير في ماهية سيكولوجية المواطن الذي يشاهد برنامجاً للتوك شو، وهو يجلس القرفصاء فوق أريكة في غرفة المعيشة ويرتدي فانيلة داخلية بيضاء .. ثم فجأة يمسك سماعة الهاتف، ويبدأ في إجراء إتصال هاتفي بالبرنامج، ليتحول في لحظات إلى "المهندس عبده صديق البرنامج" . ربما يكون هذا المواطن طبيعياً وربما يكون مبعث الحيرة في داخلي أني لم أفكر يوماً أن أقوم بمثل هذا الأمر .. ولكن منذ ثورة 25 يناير بدأت نماذج الإتصالات الهاتفية تأخذ منحى مختلف ، مثل "تامر بتاع غمرة"، وسماح أنور "ولعوا في بتوع التحرير" ، إبن أخت عفاف شعيب عايز ريش وبيتزا ، و ميدان التحرير فيه علاقات جنسية كاملة ، وأحمد بدير زعلان على مبارك ، وعمرو مصطفى شايف إن إعلان بيبسي هو إللي حرك الثورة .. وغيرهم الكثير.

ما يحيرني اليوم حقيقة، هو بعض برامج التوك شو الحالية، التي لم يتلقى إعلاميوها في يوم من الأيام إتصالاً واحداً يناقض توجه الإعلامي والقناة أو ما يطرحه من قضايا. فإذا كان بإمكاني أن أتفهم أن يسير المذيع والقناة والضيوف على خط واحد، فكيف أستوعب أن يتحول المشاهدون أيضاً إلى نقاط فوق هذا الخط .. إنها ظاهرة تستحق الدراسة، فهي تثير شكوكاً تدور حول ما إذا كان هؤلاء المشاهدون ليسوا سوى كومبارس في غرفة مجاورة بذات الإستوديو ، وهي نماذج رأيناها تتجسد في العديد من الأعمال السينمائية .. وأخشى أن تكون حقيقة نعيشها اليوم .    

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

سر إبتسامة الصغار D:




( تنويه : الصورة واقعية من قرية السماكين ـ مركز المنشاة ـ محافظة سوهاج ، بعدسة الأستاذة / آية أمان ـ الصحفية بجريدة الشروق وموقع AL- Monitor .. شكرا آية )

ابتسامة ساحرة .. لم تفارق مخيلتي مذ رأيتها ترتسم فوق شفاه أطفال تلك القرية البسيطة الغافية في سكون ودعة على ضفاف النيل في إحدى محافظات الجنوب .. كانت الابتسامة الساحرة تنطلق من بين شفاه هؤلاء الأطفال بمنتهى الإنسيابية والبساطة لتملأ الكون بأسره من حولهم بالبهجة والمرح، وفوق هذا كانت عيون أطفال تلك القرية تعكس بريقاً من الأمل لا تخطؤه الأعين .. إنها قرية السماكين التابعة لمركز المنشاة بمحافظة سوهاج ( 45 دقيقة من مدينة سوهاج).


كيف للإبتسامة أن تولد على شفتي طفل بائس ؟ بجسد ضئيل، ووجه ملطخ بالطين، وثياب رثة لا تكاد تحميه برد الشتاء ، وقدم عارية من حذاء يقيه أحجار الطريق ؟ كيف للأمل أن يسكن عيون طفل لا يملك أن يكون طالباً منتظماً في إحدى مراحل التعليم حيث يكابد مشاق الحياة مع والده فوق مركب خشبي صغير على صفحة مياه النيل يصطادون الأسماك ثم يبيعونها بثمن بخس ليجدوا بالكاد قوت يومهم ؟ كيف تنمو السعادة في قلوب الأطفال بقرية نائية بجوار شاطيء النيل .. بيوتها مهترئة من طابق واحد ليس بها مياه نظيفة أو شبكة للصرف الصحي.. شوارعها طينية غير ممهدة .. سكانها بسطاء في قسماتهم وثيابهم وطعامهم وأثاثهم وأحلامهم ؟ 

إن هؤلاء الأطفال برغم مايعيشونه من فقر مدقع وطفولة بائسة ، ليسوا في حاجة لنا .. فالحقيقة أننا نحن من نحتاج إليهم .. بل نحن في أشد الحاجة لهم .. لا تتعجب .. فعلى يدي هؤلاء الأطفال علينا أن نتعلم كيف نكون سعداء ، وأن ندرك كم نحن بائسون حين لا نستطيع أن نرسم مثل هذه الإبتسامة على شفاهنا ، أو نوقد شعلة أمل كتلك في عيوننا ، بينما نملك كل ظروف السعادة وكل مقومات الأمل .. علينا أن نتعلم منهم كيف نشعر بالرضا لمجرد أن بإمكاننا أن نحقق لأطفالنا كل ما يأملون .

لقد حرصت في هذا البوست على أن أكتب إسم القرية ، فلأطفالها الحق في أن يفخروا بأنهم يتحدون كل ظروف الحياة ومشاقها ويحافظون على هذه الإبتسامة وذاك الأمل ، كما أن علينا واجباً يكاد يقترب من حكم الفريضة ، هو أن نرد لهؤلاء الأطفال جزءاً من الجميل والعرفان .. هذا إذا ما أثارت إبتسامتهم في نفسك ما أثارته في نفسي ، من إدراك أن علي أن أكون سعيداً بل غارقاً في السعادة والرضا. 

لذا أرفق مع البوست صورة واقعية لأطفال هذه القرية .. قرية السماكين .. تأملها .. وأنتظر تعليقك حول أثر الصورة في نفسك .. رزقكم الله السعادة والأمل .

السبت، 29 نوفمبر 2014

إقفل بقك بالترباس


قصيدتي حول براءة مبارك من التهم المنسوبة إليه :

إقفل بقك بالترباس..

واقتل جواك الإحساس..

أصل الريس راجع تاني..

وقرر يحبس كل الناس..

مهما حصلك..
اقفل بقك بالترباس..
وإوعى تقولي :
أنا دقت الفقر .. ودقت الجهل..
إوعى تقولي دخلت القسم..
سمعت شتيمة تمس الأهل..
مهما حصلك..
إقفل بقك بالترباس..
إوعى تفكر تدعي عليه..
حسك عينك تشتم فيه..
أو تتهمه بإنه حرامي .. وصاحب كاس..
علشان كام مليار في رصيده ..
يبقى حرامي ؟
علشان رزق عيالنا في إيده ..
يبقى حرامي ؟
علشان باع الغاز والأرض..
وغمض عينه .. فراح العرض.. 
يبقى حرامي ؟
علشان دخل المنصب حافي..
وخرج إمبارح لابس جزمة..
يبقى حرامي ؟
إقفل بقك بالترباس..
إوعى تفكر تكتب قصة .. وترسم رسمة..
إوعى تفكر تنطق كلمة .. مالهاش لازمة..
أصل الريس .. راجع تاني..
وقرر يحبس كل الناس..
قرر يثبت إن حياته ..
وهبها لشعبه..
وإنه ماكانش في لحظة أناني..
قرر يثبت إن بطانته..
سر متاعبه..
وإنه ماكانش في يوم الجاني..
قرر يسجن كل مواطن شتمه وهانه..
إقفل بقك بالترباس..
وإوعى تقول : ريسنا حرامي.. 
ماهو لو دخل المنصب حافي..
وخرج إمبارح لابس جزمة..
ليه ماتقولش عليه ببساطة.. أو بعباطة
إنه عصامي.

الجمعة، 28 نوفمبر 2014

في مدينة لا تنام


لليل دوماً سحره الخاص ..
هادئ كان أم صاخباً ..إنه عالم العشاق والمشردين والنساك واللصوص والعاهرات وأطفال الشوارع ..والليل في الريف ، يختلف تماماً عنه في المدينة .. فإذا كانت القرى الساكنة في أحضان الحقول ، تغفو بعد صلاة العشاء .. فإن المدن لا تنام.

في ليلة دافئة من شهر أيلول، "دلفت" مدينة القاهرة لأول مرة كقاطن وليس زائر .. ولست أجد لفظ "دلفت" دقيقاً ، فالواقع أن مدينة القاهرة في تلك الليلة قد "إبتلعتني" ! .. فقد مضى على هذه الليلة نحو عشرة أعوام ومازلت قابعاً في تلك المدينة، بل يزداد إلتصاقي بها يوماً بعد يوم، وعاماً وراء عام .. فبعد أن كنت دارساً للعلوم السياسية، غدوت باحثاً في شركة خاصة، ثم موظفاً بجهة حكومية، وأخيراً زوج  وأب لطفلين.


لا أنسى تفاصيل أول ليلة في تلك المدينة الصاخبة، كانت الشمس قد غربت لتوها وإختبأ قرصها البرتقالي وراء الأفق .. حين هبطت من سيارة بيجو بيضاء (أجرة الدقهلية) في ميدان المؤسسة .. ثم إنحدرت في نفق للمشاة لأنتقل إلىى محطة مترو شبرا الخيمة في الجانب الآخر.. كي أستقل مترو الأنفاق لأول مرة .. إبتعت بطاقة صفراء مستطيلة بـ 75 قرشاً .. وخلال دقائق تلقفني القطار من فوق رصيف المحطة شبه الخاوي.. وكأي غريب أخذت عيناي تتنقل زائغة بين خارطة لمحطات المترو أعلى باب العربة من الداخل، و لافتات تحمل أسماء المحطات كلما توقف القطار في إحداها .. وفي محطة الوصول (فيصل) خرجت لأسير بمحاذاة سور أبيض طويل عابراً أسفل كوبري الملك فيصل حتى ترعة الزمر إلى تلك الشقة بحي المشابك، والتي قضيت فيها أول ليلة في القاهرة، بل أول شهر، قبل أن يصلني خطاب القبول من المدينة الجامعية.


اليوم أتذكر هذه الليلة وكأنها حلم ليلة صيف، وضعت الحقائب ، خرجت لصلاة العشاء في مسجد قريب ، ثم تناولت أول طعام لي في القاهرة، طاجن مكرونة باللحمة المفرومة، تفاصيل الليلة لا تغادر عقلي، عدت إلى الشقة وإرتميت على سريري أحاول النوم، وأنا أفكر وأفكر ، كيف سأعيش في هذه المدينة وحيداً دون أسرتي .. فقد جئت إلى مدينة القاهرة غصناً غضاً، بلا تجارب ، بلا مسئولية ، بنية صافية حسنة.. وعين لا ترى سوى اللون الأبيض .. فلم تكن حياتي حتى إنتهاء المرحلة الثانوية تدور سوى وسط مثلث ذو ثلاثة أضلع : البيت ، المدرسة ، المكتبة .. لذا فقد مثلت لي تجربة الدراسة في القاهرة نوعاً من الإنسلاخ عن هذا المثلث .. وقد كانت تجربة مفيدة رغم كونها  كانت قاسية.


وفجأة وجدت نفسي وسط مدينة صاخبة لا تنام .. تعج ليل نهار بالضجيج والزحام .. مدينة ذات إيقاع سريع للحياة .. بل شديد السرعة .. سكانها في سباق دائم بحثاً عن لقمة العيش .. ولكنها على الرغم من ذلك مدينة مبهجة .. يمتلأ ليلها بالفرح والسهر على مستوى من يشتهون السوشي والسيمونفيميه في الفنادق والمطاعم الفارهة ..  أو على مستوى من يبتغون "كوزين" من الذرة و "كوبين" من حمص الشام على الكورنيش.


و الآن بعد مرور نحو عشرة أعوام .. أعترف أن رحلتي في هذه المدينة لم تكن سهلة ، عشت ليال وليال من القلق والخوف والحزن .. ولكنها كانت تجربة لها دور كبير فيما أنا عليه الآن ، فلقد علمتني هذه المدينة القاسية كيف أكون رجلاً يتحمل المسئولية ويدير حياته كما يريد..علمتني  كيف أميز بين الصديق والعدو.. بين المخلص والغادر.. بين الأصيل والخسيس .. علمتني وما زالت تعلمني الكثير والكثير والكثير..


ولكنها قدمت لي أغلى الهدايا .. زوجتي التي تعرفت عليها وسط زحام هذه المدينة وصخبها ، لتصبح اليوم الواحة الهادئة التي ألوذ بها فراراً من كل ما تضج به المدينة من صعاب وقسوة وأسى.     
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...