Pages

الأحد، 23 نوفمبر، 2014

وردة وبارود



أخذت عيناه المجهدتان من طول التعب تتأملان  "وردة" حمراء صغيرة مودعة في جيب سترته العسكرية المموهة البالية، وبدا يحاول جاهداً أن يشتم في خجل عبير هذه "الوردة" الذي كان يواجه صعوبة في الوصول إلى أنفه  وسط رائحة التراب والعرق في جسده الأسمر وسترته الرثة بعد نهار طويل قضاه ـ كعادته كل يوم ـ قابعاً في مكانه لايبرحه إلا لبضع لحظات في أوقات الصلاة يستثمرها في قضاء حاجته أو سد جوعه. كانت عيناه تتأملان "الوردة" بينما يملأهما العجب لكونها كانت تبدو كنجمة بيضاء في ليل حالك، أو كزهرة صبار حية أمام شاهد قبر ميت. فقد كانت "الوردة" الغضة شيئاً شاذاً في صورة هذا المجند ذو الجسد المتعب من قلة النوم، والبشرة السمراء من لفح حر الشمس، واللكنة الريفية الغارقة في البساطة. أخذ المجند يتذكر كيف إمتدت هذه اليد الطيبة لتودع في جيب سترته تلك "الوردة". فلم تعتد حياة هذ المجند منذ شهور، سوى على مسيرات يتلوها مسيرات .. شعارات.. هتافات.. سباب.. حجارة.. رصاص.. غاز.. مسيرة تحمل صور الفريق السيسي، وأخرى تحمل لافتات ليد سوداء تلوح بأربع أصابع على خلفية صفراء. لذا فقد أثارت في داخله العجب هذه "الوردة" الفيحاء التي أودعها أحدهم في جيب سترته، فمنذ شهور لم يعتد أنفه غير على استنشاق رائحة الغاز والبارود ولم يعتد صدره سوى على تلقي الحجارة والرصاص.  

الأحد، 6 يناير، 2013

نحن ندفع الثمن !

حقيقة الأمر أننا منذ إندلاع ثورة 25 يناير وحتى هذه اللحظة لم نحقق شيئاً.. إننا نحصد فحسب كل ما غرسه نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك.. نتحاسب على ذنوبه وهو راقد بهدوء في جناحه الطبي الفاخر.. ندفع فاتورة طعام لم نأكله.. وشراب لم نرتشفه.. وثياب لم نرتديها.. ومصباح كهربائي لم نضئه يوماً.. هذا ما نفعله نحن المصريون منذ غادرنا ميدان التحرير في 11 فبراير مبتهجين بعد أن أعلن اللواء عمر سليمان نائب الرئيس في بيان مقتضب رحيل مبارك.. فقد ترك لنا المخلوع تركة مثقلة نرزح تحت وطأتها حتى لحظة كتابة تلك السطور.. ولعل من أبرز جوانب هذه التركة ما يلي :ـ

الجهل : 

هو أكبر خطايا الرئيس السابق التي نتحمل آثارها السلبية هذه الأيام.. وحاشا أن أقصد بالجاهل عامل بسيط     أو فلاح كادح أو شحاذ بائس.. فالجهل فيروس يمكنه أن يخترق أي جمجمة حتى وإن كانت لخبير إقتصادي، أو محلل سياسي، أو أستاذ جامعي، أو عالم من علماء الكتاب والسنة.. ومبارك كان كأي رئيس شمولي يخشى العلم، ويخاف من تزايد الوعي لدى المواطن المصري.. صحيح أنه لم يحرم إستخدام الراديو كالسطان قابوس حاكم سلطنة عمان في بداية حكمه، ولم يحظر تداول الصحف والمجلات كالإمام يحيى الزيدي في اليمن قبيل ثورة السلال.. إلا أنه كان حريصاً على تكريس الجهل وضعف الوعي والسطحية بشتى الطرق، سواء عبر نظام تعليمي فاشل، أو إعلام مدمر موجه، أو سينما هابطة، أو أغاني مسفة.. فالجاهل يسهل قيادته، التأثير فيه، توجيه صوته الإنتخابي.. جعله يحس بالرخاء وهو لا يجد قوت يومه.. وجعله يشعر بالإنتصار وببلاده تعيش أسوأ هزيمة.. وأراهن أن السيدة الأولى سوزان مبارك تعض أصابعها اليوم ندماً على مشروع مكتبة الأسرة أو القراءة للجميع الذي دشنته وأعتقد أن كان له دور كبير في نشر الوعي لدى الكثير من البسطاء وخاصة الشباب الذين قاموا بالثورة.

العنف :

يتحمل الرئيس مبارك ومن وراءه جهازه الأمني جزءاً كبير من المسئولية عن العنف الذي تعيشه مصر حالياً.. وإذا سلطنا الضوء على (التيار الإسلامي) فأحياناً أجده ضحية للنظام السابق.. الذي ساهم بصورة مباشرة    في كل ما نراه من ذلك التيار من عنف و عصبية ورغبة في الإستئثار بالحكم وإقصاء الآخر.. إنه يبدو كمارد خرج من القمقم وأقسم أن لا يعود.. فالآلة الأمنية للنظام السابق مارست كل أنواع القهر في حق هذا التيار ورجالاته.. بحيث كان إطلاق اللحية أو حضور دروس دينية مبرراً للإعتقال لشهور في سجون أمن الدولة.. مبرراً لإقتحام بيت آمن في ساعات الظلام وإرهاب أطفاله و هتك ستر نساءه.. ناهيك عن ما كان يتعرض له هؤلاء في السجون من تعذيب وظلم وألم دون ذنب يذكر.. لهذا وصل (التيار الإسلامي) إلى هذه الدرجة من الرغبة في الحكم دون إستعداد للتوافق مع أي من القوى السياسية.. فهم يعتقدون أن أي تنازل سيسقدمونه يمكن أن يدفعه خارج إطار اللوحة السياسية.. وأي خروج عنها هو في نظرهم عودة إلى السجون والمعتقلات.. إنها معركة البقاء.. أكون أو لا أكون. 

الفراغ السياسي :

كان الرئيس السابق حريصاً كل الحرص على أن يبقى الوطن رهينة كيان سياسي واحد أوحد قوي هو (الحزب الوطني الديموقراطي).. كان يرى في بروز أي حزب سياسي نوعاً من المنافسة غير المقبولة فيحاول جاهداً أن يقضي عليه وهو ما يزال جنيناً قبل أن يشب عن الطوق.. كان يرى ضرورة أن يكون كل شيء في مصر تحت السيطرة.. حتى المعارضة.. كان يحرص على أن تكون مستأنسة تمارس نشاطها تحت نظر الحكومة ووفق قواعد اللعبة التي تضعها هي.. فلا يجرؤ حزب على الترشح في الإنتخابات البرلمانية إلا على عدد المقاعد التي يحددها الحزب الحاكم ووفق نسبة محددة.. لذا كان للنظام السابق يد طولى في إضعاف النشاط الحزبي في مصر وترك الساحة المصرية تعيش فراغ كبير في أعقاب ثورة 25 يناير لم يستط ملأه سوى جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي.. سواء عبر التحرك في الشارع أو تقديم الزيت والسكر .. سيان.. فهذا لن يغير من حقيقة الواقع شيئاً وهو أن أمام مصر عشرات السنين حتى تستطيع الأحزاب السياسية الوليدة تكوين قاعدة شعبية تسمح لها بمنافسة التيارات الدينية في الإنتخابات البرلمانية أو الرئاسية.   


الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

لن أغلق نافذتي ثانية !

كم غدوت أشفق على كاتب المقال اليومي.. خاصة في وطن مشتعل كمصر.. يحيا مرحلة إستثنائية من التحولات شديدة السرعة على الأصعدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية.. تنام على قرار رئاسي فتصحو على إلغاءه.. تطفأ عربتك ثم تعود فلا تجدها.. تتقاضى أجرك هذا الشهر ثم تجد نفسك في الشهر التالي "على باب الكريم".. هنا تكمن صعوبة كتابة مقال يومي من المفترض أن يتناول أهم ما أثار كاتبه خلال ساعات اليوم القليلة.. لهذا لجأ العديد من الكتاب إلى إضافة سطر في مقالاتهم قد يبدو ليس ذا معنى.. سطر يشير خلاله إلى خصوصية اللحظة التي جلس فيها ليكتب سطوره.. ليتنصل به مما قد تحمله الساعات القادمة من مفاجآت.

فرضت علي تطورات هذه المرحلة الإستثنائية ذاتها والتحولات المتسارعة أن أهجر مدونتي الغالية ( موجة) لنحو عام ونصف.. فسرعة التفاعلات قد تجبرك على أن تعبر عنها بأقل عدد ممكن من الحروف.. العدد الذي يكفي بالكاد لأن يعكس فحسب رد فعلك الأول تجاه الحدث.. وبقدر ما يكون رد الفعل الأول أكثر صدقاً، بقدر ما يكون منفعلاً مفتقداً للهدوء اللازم للتحليل.. ولكن أي تحليل وسط إندفاع الأحداث غير المسبوق ؟ فما أن يبدأ عقلك في إستيعاب الحدث والبدء في الإعداد لعملية التحليل حتى يختفي الحدث تماماً.. يتلاشى.. أو يندثر تحت أنقاض من أحداث جديدة تجبره على أن يتوارى وراء حدث آخر أكثر أهمية.. كانت تلك نقطة ضعف لدى الكثير من المراقبين للشأن المصري لم يساهم في تجاوز آثارها سوى مواقع التواصل الإجتماعي.. وإذا كان (تويتر) يضع حدوداً لعدد الأحرف المتاحة للتعبير عن الحدث.. فإن (فيسبوك) يفتح لك آفاقاً غير عادية من التعبير من خلال الحروف والصور والفيديوهات.

لكنني أعلنها اليوم بكل وضوح.. أنني قد إتخذت قراراً وأريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه.. لقد قررت أن أعود إلى بيتي ومدونتي (موجة).. لأخط على سطورها كل ما يعتمل في صدري من قلق بالغ على مستقبل مصر.. وما تشهده حياتي من نجاح وإخفاق وأمل وألم وإبتسامة ودمع.. إنها نافذتي التي فتحت لي أفاقاً رحبة على الدنيا ولن أغلقها بعد اليوم.. لن أغلقها بعد اليوم.

السبت، 28 مايو، 2011

لمن الملك اليوم ؟



لقد أثبتت الصحف القومية بما لا يجعل مجالاً للشك أنها تحتاج دوماً بجانب رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة والصحفيين وعمال الطباعة.. إلى حاكم تغازله.. هكذا اعتادت في عهد الرئيس السابق مبارك.. كانت تغازله هو وقرينته ونجليه ووزراءه ورجال حزبه.. تفرد صفحتيها الأولى والأخيرة الملونتين لمتابعة جولاته وتصريحاته وحتى قفشاته.. ومقالات الرأي أيضاً كانت تدور حول حكمة الرئيس ورؤيته الثاقبة.. لذا فلم أتعجب من أن تبدأ تلك الصحف بعد سقوط نظام مبارك في أن تتساءل.. لمن الملك اليوم ؟



والمتابع للصحف القومية طوال أسابيع الثورة سيدرك كيف سارت في منحنى يوازي بل يطابق ذاك المنحى المنحدر لنظام مبارك.. ومانشيتاتها خير دليل.. فمتظاهري مصطفى محمود أضعاف متظاهري ميدان التحرير.. وشهداء الميدان قتلى محاولات اقتحام أقسام شرطة.. والرصاصة الحية في العين مجرد رصاص مطاطي لتفريق الجموع.. والجمال في موقعة الجمل تهدف لتنشيط السياحة.. فقد كانت الصحف القومية حينها بحق الأكثر استفزازاً بين كافة وسائل الإعلام العالمية المقروءة والمسموعة والمرئية.. وكأنها لا ترى من الغربال.. وظلت على هذه الحال حتى تأكدت بيقين لا يقبل الشك.. أن جسد النظام قد همد.. وأن روحه قد فاضت.. وأن رجاله قد أصبحوا ضيوف زنازين طرة.. وأن مبارك لم يعد أمامه سوى طريقين لا ثالث لهما.. السجن أو الموت .



وللصحف القومية حساسية تحسد عليها في استشعار الملك عن بعد.. فمغازلتها المؤخرة لجمال نجل الرئيس مبارك كان مبررها تلك الحساسية المفرطة التي كانت وراء تأكدها من أن مؤامرة التوريث قد بدأت خطواتها فعلاً في قصر العروبة.. وأن عام 2011 إذا لم يستهل بتفجر الثورة كان سيختتم بتتويج ولي العهد.. ومن منطلق هذه الحساسية أيضاً أدركت تلك الصحف أن الملك قد غدا في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. فلم تدخر جهداً ولا وقتاً في مغازلته.. لتصبح قسوته في مانشيتاتها حزماً.. وبطؤه حنكة.. وتخبطه مناورة.. ولينه رأفة.. ويصبح رفضه أو عجزه عن ضرب النار على المتظاهرين خلال أحداث ثورة 25 يناير ديناً في رقبة المصريين.. يحتاجون لسداده إلى تحمل الحكم العسكري أعواماً وأعواماً بكل ما يفرضه علينا من أحكام عرفية وحظر للتجول وتعطيل للدستور والأحزاب والحياة النيابية.. ديناً يحتاج إلى أن نضفي على بيانات المجلس الأعلى قدسية تدفعنا إلى أن نمسك في ذيله كأمنا ليقودنا حيث يشاء.. تدفعنا للارتماء في أحضانه بحثاً عن الأمن في أيام أصبح قانون البلطجة هو السائد فيها .



لذا يخطأ من يظن أن روح ثورة 25 يناير قد تسللت بعد إلى مقرات الصحف القومية وصفحاتها وأقلام كتابها وأحبار ماكينات طباعاتها.. فروح الثورة لا يمكنها أن تختزل فقط في أن تبدأ تلك الصحف كغيرها في إبراز أخبار الرئيس المخلوع وقرينته في إقامتهما الجبرية الغارقة في الرفاهية.. أو متابعة جلسات التحقيق والمحاكمة لأعوانه فإن هذا لن يغفر لها وقد كانت تصفهم برجال السياسة والاقتصاد الغيورين على وطنهم في وقت كنا نعلم جيداً كيف كانوا لا يعرفون الفرق بين المال العام والخاص.. فلن يغفر ما اقترفوا في حق الوطن وشعبه وشهداءه إلا أن يعودوا ليتعلموا من جديد كيف تكون حرفية الخبر وموضوعية التناول واستقلالية الفكر.. تلك الحرفية والموضوعية والاستقلالية الذين عطلوا تماماً داخل مؤسسات الصحف القومية طيلة عقود.. تحولت فيها إلى صحف للحزب الوطني المنحل لأسباب ربما تعود إلى اعتمادها على التمويل من حكومة الحزب أو هيمنة سقط المتاع من صحفيي الحزب على رؤوس تلك الصحف .

الاثنين، 23 مايو، 2011

مش عاوز أختي كاميليا



محض صدفة تلك التي شاءت أن يتبع زيارتي القصيرة لاحتجاجات الأقباط أمام مبنى ماسبيرو، الإعلان رسمياً عن فض الاعتصام.. ولست أعلم حتى لحظة كتابتي تلك الأسطر أي رياح قذفت بي هناك بين أمواج من الغضب والألم عبرت عنها بكل صراحة وصدق هتافاتهم.. وقسمات وجوههم.. وصلبانهم.. ولافتاتهم.. وصور شهداءهم.. ولكني كنت هناك.. لعلي أعلم إلى إي حد نتقارب وفي أي النقاط نختلف.. لعلي أرى الحقيقة ماثلة أمامي دون زيف بيانات الحكومة ومساحيق وسائل الإعلام .

لم أواجه صعوبة في اختراق الحاجز الأمني القبطي ولم أجد غضاضة في أن يتم تفتيشي ذاتياً بعد أن كشفت بطاقتي حقيقة كوني مسلم.. ولكني خرجت بعد ساعات من قلب الاعتصام وبداخلي شعورين مختلفين.. فكما أراحني أمر فقد أقلقني آخر.. ولعل ما أراحني هو اكتشافي أن كلمة السر التي أصبحت تدور في فلكها حياة المصريين مسلمين وأقباط.. هي الأمن.. فكما أحتاج إلى الأمن لأسير بعربتي على الطريق الدائري مع أسرتي آمناً على نفسي من كمائن قطاع الطرق.. وكما أحتاج إلى الأمن لآمن على أطفالي الذهاب إلى مدارسهم وعودتهم.. فالأقباط يطلبون بجانب كل هذا بعداً خاصاً بهم يتعلق بإعادة فتح كنائسهم المغلقة وضمان حقهم في ممارسة شعائر عبادتهم في إطار من الأمن والأمان .

أما مبعث القلق فلم يثره مسيحي.. وإنما شيخ مسلم يدعى سعيد سلمه القمص متياس نصر كاهن كنيسة عزبة النخل منبر الحديث على المنصة فمضى يسبح في بحور الماضي متنقلاً من قصة لأخرى تحكي علاقة المسلمين بالأقباط عبر عصور الخلافة والفتوحات الإسلامية في محاولة يائسة وفاشلة لامتصاص غضب المعتصمين، وكانت صدمتي عندما سمعته بأذني يستحلفهم بالرب والمسيح والروح القدس ! ولست سلفياً ولكني لا أعلم لما قفزت في ذهني حينها الآية الكريمة {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ( البقرة: 120)، فقد كانت عبارته لا تحتمل في عقيدتنا التأويل والقياس فقد كانت كفراً واضحاً بيناً يهدم أولى قواعد التوحيد وهو الوحدانية .

لقد نسي هذا الشيخ المسلم – إن صح تسميته بذلك- أن أولى خطوات العلاج هي تشخيص المرض.. ومرض الاحتقان الطائفي قد غدت أعراضه واضحة وضوح الشمس على جسد الأمة المصرية.. لا تحتاج ملاحظته أشعة مقطعية أو سونار.. ومن الخطأ أن نستمر في تعاطي المسكنات دون البحث عن علاج شافي لهذا المرض كي نتمكن من أن نعيش في سلام وأمان على أرض بلادنا الطيبة.. و الحقيقة أن العلاج لن يكون أبداً بالإصرار على التأكيد على مبادئ الإخوة والتماثل والتماهي فيما بيننا مع غض البصر عن مكامن الاختلاف.. فنحن مختلفون.. وتماثلنا لن يكون إلا باعتناق أحدنا ديانة الآخر.. نحن مختلفون.. ولكن تجاورنا في الوطن يحتم علينا أن نتعايش رغم هذا الاختلاف.. يحتم علينا أن نغلب مفاهيم المواطنة ليكن لكم دينكم وليا دين.. إنني مسلم ولكني لا أرى في إسلام كاميليا أو وفاء أو غيرهن مكسباً ولا في عودتهن إلى النصرانية خسارة.. إنني مسلم ولكني أرى من العبث أن يكون جهادنا في سبيل امرأة أياً كانت.. ولذا أعلنها بكل صراحة.. مش عاوز أختي كاميليا .

الأربعاء، 4 مايو، 2011

ميلاد بلا شموع.. لرئيس مخلوع



احترنا.. وكان لزاماً علينا أن لا ننسى هذا اليوم.. كنا نحتاج يوماً كهذا لتعلم كم نحن شعب أصيل.. حكمتنا ثلاث عقود وتعلم حد أصالتنا.. ولكني كتبت لك هذه الأبيات.. في يوم ميلادك.. ولكنه ميلاد بلا شموع.. لأقول لك :-




الليلة قبل العام..

كنا نتحفل كعادتنا..

بميلاد الصنم الأكبر..

نتناسى أزمات السولار..

وصوت الشعب اليائس..

يطلب تخفيض الأسعار..

لتصبح ذكرى ميلاده..

خبراً أول..

في كافة نشرات الأخبار..

فالليلة.. قبل العام..

كنا نشعل كل شموع الوطن البائس..

كنا نرفع فوق مساكننا الأعلام..

فالليلة.. قبل العام..

كنا مازلنا يا هذا..

نركع جهراً للأصنام..

والليلة.. بعد العام..

سقط الصنم الأكبر أنت..

نجحت ثورتنا المصرية..

لم تتحمل..

صيحة.. إرحل..

من حنجرة الشعب الكاسر..

نجحت ثورتنا يا هذا..

فاز الشعب فأنت الخاسر..

حين تداعبنا الحرية..

أعلم أنك أنت الخاسر..

حين تغادرنا الصحراء..

بأخرى خضراء مروية..

حين نعاصر أن لا مقهى.. أن لا ملهى..

حين نعاشر شعباً حراً..

يعمل بضمير وحمية..

سوف يكون الخاسر أنت..

ليس الوقت يناسب..

قهراً في دمعتك..

خنت بلادك..

فتحمل إن هي خانتك..

سقط الصنم الأكبر فعلاً..

ويواجه حكم الإعدام..

وسنقطع بحسام ماض..

كفاً تتطاول ثانية..

لتحاول صنع الأصنام..

السبت، 30 أبريل، 2011

نيران صديقة





لم يكن تاريخ سوريا أبداً إلا معجوناً بالدسائس.. معبق برائحة المكائد.. أحمر بلون الدماء.. فالطريق لحكم دمشق كان دوماً للأقوى.. للأدهى.. للأعنف.. فإذا كان الرئيسين محمد العابد وهاشم الأتاسي قد تقدما باستقالتيهما طوعاً أو كرهاً، فإن باقي رؤساء تاريخ سوريا الحديث كافة سقطوا جراء انقلابات كان مصير الرئيسين شكري القوتلي وأمين حافظ فيها أن قضيا بقية عمرهما خلف القضبان، بينما لقى الرؤساء حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي حتفهم رمياً بالرصاص .







معلومة جديدة أضيفها لعلك تدرك حينها كيف نسج الأسد خيوط حكمه فوق عرش دمشق لتسع وعشرون عاماً.. والرقم كبير حينما نعلم أن فترات الحكم في سوريا قبل حافظ الأسد كانت تتراوح بين الستة أشهر والثلاث أعوام، وأن هاشم الأتاسي أكثر من حكم سوريا لم تزد فترة حكمه عن سبع سنوات على مدار ثلاث فترات غير متصلة.. والسؤال الأكثر حيرة هو كيف استطاع الأسد أن يسلم سوريا الفائرة لنجله بشار جثة ساكنة هامدة بشعب لا يثور.. شعب لم يثر حتى حينما امتدت أيدي رجال الأسد لتعبث في الدستور السوري لتضييقه قليلاً ليصبح على مقاس نجل الرئيس الذي كان أقل من السن القانوني لتولي الحكم بخمس سنوات كاملة .







لابد أن حافظ الأسد كان الأقوى.. والأدهى.. والأعنف.. حتى استطاع إلجام شعب سوريا لثلاث عقود انتهت بوفاته ثم تسليم العرش لنجله بهذا الهدوء.. واستمر بشار على درب أبيه واستمر الشعب السوري في سكونه.. رغم أرض الجولان المحتلة ورغم القبضة البوليسية التي تزداد ضيقاً على حياة المواطن السوري الذي أخذ أيضاً يفقد صبره تحت وطأة موجة تدهور الأحوال الاقتصادية التي ضربت سوريا كغيرها من الدول العربية.. وجاء منتصف شهر مارس الماضي ليخفي الكثير لبشار ونظامه ولو أن الشارع العربي حينها كان يشغى بحراك شعبي كبير أدى إلى هبوب رياح التغيير من تونس إلى مصر ومنها إلى ليبيا واليمن وسوريا.. وترددت في كل تلك البلدان صرخة واحدة أخذت تتردد من المحيط إلى الخليج.. الشعب يريد إسقاط النظام .







لم أتصور أن يخرج بشار الأسد في خطابه الأول بمجلس الشعب السوري ليعلن تنحيه أو حتى استقالة الحكومة.. ولم أتعجب عندما أطل بقامته الرفيعة ووجهه المتبلد ليبدأ كما بدأ مبارك والقذافي وعبد الله صالح في خطاباتهم الأولى بعد اندلاع الثورة في بلدانهم.. فقد بدأ يتحدث بذات الثقة التي تبلغ حد الفجور عن أجندات خارجية وأيدي خفية وقوى أجنبية كافراً كسابقيه بمفاهيم الإرادة الوطنية والثورة الشعبية.. كافراً بحق شعبه في الثورة على الظلم والاستعباد والفساد.. كافراً بحق شعبه المجلود حتى في الأنين.. لذا كان خطابه الباهت سبباً في اشتداد جذوة الثورة وانتقالها من درعا إلى باقي أنحاء سوريا.. ولم يتعدى رد فعل الأسد أكثر من تعديل أكثر بهتاً لحكومة ناجي العطري ليثبت أنه لا يختلف عن غيره في عدم تصديق أن ما تردده الشعوب "الشعب يريد إسقاط النظام" ليس المقصود منه إسقاط الحكومة بل إسقاط الرئيس ذاته .







كل هذا يمكنني تفهمه فمصر ذاتها جرت فيها الأحداث على نحو كهذا، ولكن أن ينتقل سلاح القمع ضد الشعب السوري من سواعد الشرطة إلى سواعد الجيش.. ومن مدرعات الشرطة إلى دبابات الجيش، فهذا غير مقبول.. والوضع في سوريا يختلف عن ليبيا فجيوش القذافي تذخر بالمرتزقة بينما مازال الجيش السوري سورياً حتى النخاع.. فكيف ليد سورية أن تغتال نفساً سورية كل جريرتها أن صرخت طالبة الحرية.. لن أراهن على الجيش السوري كما راهنا على الجيش المصري فكسبنا الرهان، فلست أعلم إلى أي حد غرقت المؤسسة العسكرية السورية في فساد السياسة و إلى أي درجة تحولت من درع الأمة السورية إلى حرس جمهوري.. ولكن ما يحز في نفسي أن نترك العدو الإسرائيلي يمرح فوق هضبة الجولان بينما نسقط نحن صرعى نيران صديقة .

الثلاثاء، 26 أبريل، 2011

وأخيراً.. رئيس سابق !



ما قلته في مقالي الماضي أعيده اليوم..الطغاة لا يستحقون حتى لقب رئيس سابق.. هم بمصائبهم وصلفهم يستكثرون على أنفسهم هذا.. فكيف لطاغية الطغاة أن يحوز هذا اللقب.. مبارك ونجليه قيد التحقيق والاعتقال.. نبأ تأخر كثيراً ولكنه جاء ليعيد الهدوء إلى الشارع المصري من جديد.. جاء ليمتص ما بقي في ناب أفعى الحزب الوطني من سم.. جاء في هذه اللحظة بالذات ليكلل ثورتنا المجيدة بألذ مسك وخير ختام .




اليوم أضع الشماتة جانباً لأمضي معكم في تأملات مشروعة حول ما اعتبر وبحق أولى خطوات مصر على طريق دولة القانون فاليوم فقط يمكن للمصريين أن يفخروا أن لديهم رئيساً سابق، هو الأول بعد قيام النظام الجمهوري وربما الثاني بين كل من حكم مصر منذ عصور الفراعنة وحتى أسرة محمد علي مروراً بدولة الخلافة الإسلامية والأموية والعباسية والفاطمية والطولونية والإخشيدية، فالسبيل إلى عرش مصر لم يكن إلا مفروشاً بالدسائس والاغتيالات والدماء، وناهيك عن وجود هذا الرئيس السابق فالأهم أنه يحاسب الآن على ما اقترفت يداه .




كما يترك المتهم في مسرح الجريمة وراءه ألف خيط ليسقط.. لم يترك لنا مبارك باباً للغفران نفتحه لنسمح له بالرحيل تاركاً مصر وشعبها في سلام.. لم يترك لأحاسيس العطف والتسامح واحترام شيبه أن تتسلل إلى قلوبنا التي اعتادت الصفح.. كان بإمكانه أن يزهد في السلطة منذ أعوام ليقتل في داخله وفي قلب نجله حلم التوريث.. كان بإمكانه أن يقيل حكومة نظيف قبل شهر من ثورة 25 يناير تلبية لمطالب المواطنين.. كان هذا كافياً جداً لأن يستمر الشعب المصري في سباته مستسلماً لواقعه.. ولكنه استمر في طغيانه بكل برود كقوم لوط وثمود.. وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب .




فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً.. وكذلك مبارك الذي تجبر وتكبر كعادة الطغاة حتى قال إني ربكم فاعبدون.. ومع سقوطه تكشف كم الفساد الذي غرقت فيه مصر منذ عشرات السنين وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة وبالتحديد في حكومتي عاطف عبيد وأحمد نظيف اللتين شكلتا على أساس شللي لا يسمح لمن لا ينتمي لهما بالاستمرار.. لقد ضيقا باب الدخول إلى دائرة السياسة والاقتصاد لأصحاب الذمم الدنيئة ممن لا يعرفون الفرق بين عربة العمل وعربته الخاصة.. الفرق بين محفظته والمال العام.. الفرق بين خدمة أبناء الشعب وخدمة أنجال سيادته.. وغرقت مصر طيلة عصور من الظلام التي كلما طالب فيها المواطن المصري المطحون بحقه قوبل بالدعوة إلى تقليل الخلفة وشد الحزام.




ورغم كل ما يثار من صعوبات تواجه مصر خلال هذه المرحلة شديدة الدقة إلا أني مازلت ضمن فريق المتفائلين بخطوات مصر على طريق دولة القانون وعلى طريق دولة الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، فالمتحقق فاق كل مأمول ومعبد التوريث انهار أخيراً على من بناه وأشاده، فأكثر السيناريوهات تفاؤلاً كان سيناريو التوريث، حيث لم يدخر نظام مبارك جهداً في وضع مصر وشعبها بين حدين لا ثالث لهما.. حد الاستقرار الذي لا يضمنه سوى نظام مبارك أو نجله، وحد الفوضى الذي صنعوا منه فزاعة مخيفة برائحة إسلامية مقيتة لا تجعل أمام المواطن المصري البسيط سوى خيار وحيد يتمثل في إحناء رأسه للنظام الغاشم والسير بجوار الحائط من أجل لقمة العيش .