الأحد، 25 يناير، 2015

شَيْمَاءْ الْصَبَاغْ .. وَأَشْيَاءُ أُخْرَىْ !


اللعنة على حالة الغليان التي تعيشها المنطقة العربية منذ نحو أربع سنوات .. وتيرة الأحداث تتسارع على نحو يبعث على القلق، ويجعل من الصعوبة بمكان، أن تقف للحظات لتراقب الأوضاع من حولك، وتخضعها للتحليل ، لاسيما أن تكتب عنها .فمنذ أيام، بدأت في كتابة تدوينة جديدة عن "فن المسافات" بين البشر والأحبة .. ولم أكد أنتهي من بضعة أسطر، حتى سقط النظام اليمني الجديد في فخ عصابة الحوثيين .. فقررت أن أكتب حول حالة اليمن ومستقبل مضيق باب المندب وقناة السويس .. وما أن أمسكت بالقلم، حتى غيب الموت العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.. فما أن أوشكت أن أنعي الفقيد العظيم حكيم العرب.. حتى سقطت شيماء الصباغ  !

رحم الله شيماء الصباغ وأسكنها فسيح جناته وألهم ذويها وطفلها الصبر .. ولعن الله قاتلها أياً كان ، وأياً كانت هوية البندقية التي كان يحملها ـ ملكي أو ميري ـ والتي أطلق منها الخرطوش الأسود ليغتال روح شيماء بكل خسة. والحقيقة أن زمن .. "الطرف الثالث" .. "اللهو الخفي" .. "الملثم" .. "اليد العابثة" قد مضى هذا الزمن ولملم أذياله ورحل .. والعدو الذي تواجهه مصر ، قد بدا، وظهر، وتجلي، وأطل بوجه القبيح، وبدأ يطلق الرصاص ويزرع العبوات الناسفة منذ نحو عام ونصف ضد الشعب بأكمله .. مواطنين وشرطة وجيش وقضاء . فالجماعة الإرهابية لا تدخر جهداً في سبيل إشعال  الشارع المصري وتحريكه في الإتجاه الذي يخدم مصالحها في عودة نظام المرشد ثانية إلى سدة الحكم، لذا أتعجب حين أجد من يسأل : من قتل شيماء الصباغ ؟ ، بل وأتعجب أكثر حين يشير البعض لأصابع الاتهام لوزارة الداخلية .

ولكن حين يواجه الوطن إرهاباً حقيقياً ويمضي لتنفيذ خطة جادة للإنقاذ الإقتصادي .. فإن آخر ما يحتاجه من مواطنيه ، الخروج للتظاهر .

وإلى باب المندب، حيث من المتوقع أن تفرض التحولات السياسية على أرض اليمن واقعاً جديداً في البحر الأحمر .. وربما أدرك اليوم فقط لماذا بعث جمال عبد الناصر قوات مصرية لتشارك في حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي .. كنا ننعت هذا السلوك من جانب الزعيم الراحل، بالتهور وإقحام مصر في معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل .. ولكن يبدو لي الآن كما كان يدرك أن كل ما يحدث في اليمن سيكون له صدى في مصر، وأنه لا يمكن السماح بأي حال من الأحوال لأي شيء يمكن له أن يؤثر يوماً ما على قناة السويس شريان الحياة . لست أحبذ أي تدخل عسكري مصري في أية بقعة في العالم ولكن على المصريين أن يدركوا أن وصول الحوثيين إلى الحكم في صنعاء يمثل تحدياً جديداً لمصر إلى جانب الحرب على الإرهاب، وسد النهضة، والنمو الإقتصادي، تحدياً لا يهدد حاضر قناة السويس بل ومستقبل القناة الجديدة ، وعلى مصر أن تعمل مع شركائها في العالم لضمان تأمين مرور السفن في مضيق باب المندب.

ولأشقائنا في المملكة العربية السعودية ، أتقدم باسم مدونة "موجة" بخالص العزاء في وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، متمنياً للملك سلمان بن عبد العزيز والأسرة الحاكمة الاستمرار في نهج المملكة في دعم قضايا الأمة العربية والإسلامية والسلام في العالم.  


الأحد، 11 يناير، 2015

شَارلْ إِبدوْ .. فُرصةٌ أَخيرةْ !


لا أستطيع أن أخط حرفاً ، إلا إذا كنت غاضباً أو سعيداً .. فالمساحة الرمادية ما بين الشعور بالغضب و الإحساس بالسرور ، لا تمنحني الإلهام والإبداع ولا الطاقة الكافية للجلوس، والإمساك بالقلم، وإجتذاب الأفكار، لأكتب فوق الأوراق، تدوينة أو مقالاً أو رسمة أو حتى قصيدة شعر.. لابد أن يتملكني شعور واضح محدد وصريح .. إما أن يدفعني ما يحدث حولي لأن أتفجر غضباً ، أو يغمرني بالسعادة.

كل من إعتاد أن يكتب أو يرسم أو يمارس أياً من صنوف الإبداع ، لابد وأن يكون قد تملكه الغضب وهو يتابع حادث مجلة "شارل إبدو" الفرنسية وتداعياته .. إطلاق نار يودي بحياة 11 من الكتاب وراسمي الكاريكاتير ورجال الأمن بالمجلة .. حادث إرهابي رغم أنه ليس الأول ولن يكون الأخير، إلا أنه يختلف عما نشهده يومياً من أحداث إرهابية على وجه هذا الكوكب التعس ، لكونه تم ضد أصحاب رأي جرتهم أقلامهم إلى صنع رسوم ومقالات، كانت سبباً في إكتساب خصومة من يجدون في الرصاص وسيلة للنقاش ، وفي الدماء أسلوباً لحسم الخلاف .

والحقيقة أننا نحن المصريون قد أصابتنا "البلادة" تجاه الأحداث الإرهابية بعد أن غدت خبراً دائماً في نشرات الأخبار كل مساء .. فلم تعد تهتز لنا شعرة إذا ما سمعنا صوتاً مدوياً، بل أن البعض يرى في عملية تفكيك عبوة ناسفة فرصة جيدة للفضول والمشاهدة وإلتقاط صور "سيلفي" .. لقد أمسينا نتساءل عن عدد ضحايا التفجير الذي حدث كل يوم ، بالبساطة التي نسأل بها عن الساعة أو برودة الطقس.

ورغم ما أصابتنا من "بلادة" فقد راقب المصريون حادث "شارل إبدو" بمناظير مختلفة، حيث رأى المثقفين أن هذا الحادث يعد إنتكاسة في العلاقة بين الغرب والدول الإسلامية والعربية، حيث يعيد تشويه صورة الإسلام وربطه بالتطرف بشكل يساهم في لجو الغرب إلى ممارسات عدائية ضد المسلمين، تتمثل في المزيد من التفتيش والحذر والتعقيدات تجاه رعايا الدول الإسلامية والعربية عند منحهم تأشيرات الدخول للدول الغربية أو عند إقامتهم في تلك البلدان.

على الجانب الآخر، رأى البسطاء من المصريون وهم السواد الأعظم ـ وأنا منهم ـ أن هذا الحادث نقطة في صالح مصر، فلابد لهذا الحادث المؤلم أن يدفع فرنسا ومن وراءها الدول الغربية إلى إعادة حساباتها فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ، وإدراك أنها أخطات يوم تركت مصر وحيدة في الحرب التي تخوضها ضد الإرهاب .. وأنه ينبغي على تلك الدول اللحاق بركب مصر ليخوض العالم أجمع حرباً عالمية مشتركة للقضاء على الإرهاب الذي لا يحصد سوى الأبرياء وتجفيف منابع تمويله .. إنها الفرصة الأخيرة التي على تلك الدول الغربية أن تقتنصها ، خاصة إذا كانت لم تنسى بعد أنها هي من صنعت هذا الإرهاب وقامت برعاية رموزه ثم أعادت تصديره إلى بلادنا.       

الثلاثاء، 6 يناير، 2015

لهذا أسميتها "موجة" !!


أنا مدون ولست مدونة  !!

منذ أطلقت المدونة يوم الإثنين الموافق 19 نوفمبر 2007  ، أسميتها "موجة" .. وأوضحت في التدوينة الأولى، لم أسميتها "موجة" .. وأنه برغم كوني لا أتقن العوم فإني أعشق البحر إلى درجة أني أعتبره صديقي الأقرب ، فهو الوفي الذي أفضي إليه بكل ما يدور في داخلي من أفكار وهواجس وآمال، فلا يفشي سري لأحد .. كما أني أشعر أن أمواجه تبعث في داخلي السكينة إذا أقبلت على الشاطئ بهدوء، وأخالها تعنفني إذا ضربت الشاطئ بعنف .. بل بلغ عشقي للبحر أن تمنيت يوماً لو أصبحت "موجة" ، تتحرك بحرية بين الشطآن، موجة قادرة رغم تكوينها الضعيف على نحت صخور الشاطئ إذا تسلحت بالصبر ، موجة بإمكانها أن تساعد السفن على أن تصل لوجهتها في سلام، وقادرة في أحيان أخرى أن تدفعها نحو الأعماق. 

لهذا أسميت المدونة "موجة" ، ولم أتصور حينها أن هذا الإسم سيدفع الكثيرون إلى الظن أن محرر هذه المدونة هي "أنثى" ، ربما يكون معهم الحق في هذا الظن ، فـ"موجة" إسم مؤنث ، يكاد يكون الأقرب إلى أن تختاره مدونة وليس مدون ، ولهذا أحببت أن أوضح لكل من يزور مدونتي المتواضعة من زوار أعزاء ، أنني محرر هذه المدونة هو في الحقيقة مدون ، ولكننا إعتدنا جموع المدونين على أن نطلق على مدونتنا الإسم الأقرب إلينا ، الإسم الذي يشبهنا أكثر من غيره، وأنا لم أجد إسماً أقرب إلي، أو يشبهني، أكثر من "موجة" .. لذا أسميتها مدونة : موجة.


قد تكون الفرصة سانحة لكي يعلم زوار المدونة عني المزيد، أنا شاب، أقترب من العقد الثالث، الإبن الثاني بين خمسة أبناء وبنات، زوج، أب لإبن وإبنة، من مواليد برج الأسد، أعمل في وظيفة حكومية مرموقة، أعشق القراءة والكتابة والرسم، "رغَاي" أحادث نفسي إذا لم أجد من أتحدث معه، لا أحب من الخضراوات الطماطم ولا من الفاكهة الكنتالوب، غير مدخن، أسري، لا أحب المرتفعات، مبذر لا أتقن التوفير، أعشق الشتاء والسير تحت المطر، لا أحب النوم، منضبط المواعيد.   

الخميس، 1 يناير، 2015

ماذا لو ... ؟!


إعتدنا كلما أوشك عام على الإنقضاء، واقترب آخر من القدوم .. أن يجلس كل منا ليسترجع ما حدث خلال العام المنصرم .. ماذا حقق، في ماذا أخفق، اللحظات الحلوة، والساعات المرة، ما كسبه، وما فقده، لمن سبب الفرح، ولمن تسبب في الحزن .. وما أن تتسابق عقارب الساعة لتعلن إنتصاف ليلة 31 من ديسمبر .. يغلق كل منا عينيه .. لتبدأ شفتيه في التمتمة بما يختلج في صدره من أمنيات، يرجو أن تتحقق في العام الجديد، مزيد من السلام، والنجاح، والسعادة، والمفاجئات السارة.

أعلم أن "لو" كلمة عبثية، لاقيمة لها، تعد بمثابة ندب، وبكاء على اللبن المسكوب .. بل توصف "لو" بأنها "تفتح عمل الشيطان" .. ولكنني اليوم، وأنا أتذكر ما كان من شأن عام 2014 ، وأحاول التعليق على زخام الأحداث الذي شهده هذا العام الحافل، لا أجد سوى تعليق واحد : ماذا لو ؟!

ماذا لو كانت ثورة الثلاثين من يونيو باكورة ثورات مصر في الفترة الراهنة ؟ 
لقد كانت ثورة 30 يونيو بمثابة تصحيح لمسار ثورة 25 يناير، حيث شهد عام 2014 إجراء الإستفتاء الشعبي على الدستور الجديد في شهر يناير، ثم إنتخاب الرئيس في شهر يونيو، قبل أن تستعد البلاد حالياً لإختيار مجلس النواب في إبريل 2015 .. لقد بدأت مصر منذ مطلع عام 2014 تسير وفق خارطة الطريق التي ينبغي أن تتبعها عقب رحيل الرئيس مبارك في 11 فبراير 2011 ، ولكن مضى الوطن مدفوعاً بأطماع التيارات الإسلامية في طريق مشوه بدأ بإنتخاب برلمان 2012 أولاً ثم الإستفتاء على دستور مشبوه وأخيراً إنتخاب رئيس شكل نقطة سوداء في تاريخ مصر الحديث .. إن ما خسرته البلاد منذ إندلاع الثورة الأولى وحتى تفجر الثورة الثانية من نزيف سياسي وإجتماعي وإقتصادي وأمني ، هو ما يدفعني إلى أن أتساءل : ماذا لو ؟  


ماذا لو كان الرئيس عبد الفتاح السيسي أول رؤساء مصر بعد ثورة 25 يناير ؟ 
ليس تملقاً فلا أتقن فنون النفاق ، ولكن الرئيس عبد الفتاح السيسي نجح منذ توليه المسئولية في يونيو 2014 في أن يضيف إلى منصب الرئيس ومؤسسة الرئاسة نكهة من الإنضباط والرقي والتناغم والإنسانية التي كانت غائبة منذ عقود .. كما كان الرئيس السيسي بعثاً لفخر المصريين منذ رأوه يدخل قصر الرئاسة لأول مرة بمشية عسكرية واثقة ، وحتى شاهدوه خلال زيارته الأخيرة للصين يتحرك ويتعامل بحيوية وندية بدأت تعيد لمصر الكثير من مكانتها وثقلها الدولي الذي كادت تفقده .. لقد تمكن الريس السيسي من توحيد غالبية المصريين حول أهداف وطنية ومشروعات قومية كانت كفيلة ليهرع رجال الأعمال والمصريين البسطاء كتفاً بكتف للمساهمة ولو بقدر يسير في دعم إقتصاد مصر وإدراك أن بإمكان أي مواطن مصري مهما كان بسيطاً أن يساهم ويؤثر في مستثبل بلاده ويضمن لها أسباب الرفعة والتقدم.

ماذا لو كانت حكومة المهندس إبراهيم محلب بديلة عن حكومة الفريق أحمد شفيق ؟
فماذا لو كان قد تم تكليف المهندس إبراهيم محلب في 31 يناير 2011 بتشكيل الحكومة بديلاً عن الفريق أحمد شفيق ؟ فمن يعرف المهندس إبراهيم محلب عن قرب ، يدرك أن تشكيله للحكومة بعد ثورة 25 يناير قد تأخر لثلاث سنوات ..  فقد ساهم المهندس إبراهيم محلب منذ توليه المسئولية في مارس 2014 في إحداث ثورة في منظومة العمل في مختلف القطاعات في الدولة ، وذلك نتيجة حرصه على الدمج بين عقد اللجان والإجتماعات وبين الزيارات الميدانية والجولات المكوكية في المحافظات المختلفة .. إنه نموذج أكثر شباباً من كثير من الشباب .. فرغم أعوام عمره السبعين إلا أنه قليل النوم ، كثير الحركة ،لا  يهدأ، ولا يخاف، ولا تفتر عزيمته، رغم كل ما يواجهه من صعوبات تتعلق بميراث عريق من فساد الإدارة وتعقيدها .. لقد ساهمت حكومته في إعادة جانب كبير من الأمن وإيقاف نزيف الإقتصاد وإعادة الثقة إلى المواطنين والسائحين والكثير من رجال المال والإقتصاد والمستثمرين.

ماذا لو لم تظهر جماعة الإخوان وجهها شديد القبح والوحشية والتطرف ؟ 
أظل أتساءل ماذا لو غادرت جماعة الإخوان المشهد السياسي بهدوء عشية ليلة الثلاثين من يونيو 2013 ؟ ماذا لو لم تحشد كل ما تمتلكه من أسلحة وحقد وكراهية لتدخل في مواجهة شاملة مع مصر بشعبها وجيشها ورجال أمنها ؟ لقد شهد عام 2014 نزيفاً مؤلماً من مواطني مصر وجنودها البواسل في معركة ضارية ضد إرهاب أسود لا يراعي حرمة الدماء بين أبناء الشعب الواحد .. وتظن الجماعة أن الشعب المصري يدفع ثمن وقوقفه بجوار جيشه في هذه المعركة، والحقيقة أن الجماعة من خلال هذه المعركة تحترق، وتنتحر سياسياً، وتلتف كالحية حول جسدها لتخنقه .. إنها لا تواجه بلادها فحسب بل تتآمر عليها مع كل من يمد لها يد العون من قوى خارجية وأجهزة إستخبارات معادية، ولكن يظل الكثير من المصريون يؤمنون أن عام 2014 بقدر ما كان مؤلماً لهم بقدر ما كان سعيداً للخلاص من هذه العصابة التي كادت تعبث بمقدرات أمن الوطن وتعيده إلى الوراء قروناً نحو الظلام.    

على الصعيد الشخصي كان عام 2014 سعيداً ، رزقني الله في 17 سبتمبر بكريمتي "كرمة" ، كما حققت في مجال عملي الكثير، رزقني الله وإياكم الصحة والسعادة :)

الاثنين، 22 ديسمبر، 2014

إعلاميون بلا إعلام



ليس أصعب على المواطن المصري في هذه الآونة ، من أن يكون محايداً ذو وعي ..إنها صعوبة أضيفت إلى فيض الصعوبات التي يكابدها هذا المواطن الكادح، منذ الصباح وحتى المساء .. بل ربما تكون قد أصبحت أصعب عليه اليوم من أن يستقل مترو الأنفاق من محطة الشهداء .. وأصعب من أن يعبر الطريق الدائري مترجلاً من جانب لآخر .. بل وربما أصعب من أن يصل في موعده، إذا توقف به كوبري أكتوبر.

إنها صعوبة العصر وإشكالية المرحلة .. والحقيقة أن هذا المواطن البائس كما لا يتحمل مسئولية أي من الصعوبات في حياته، فإنه ليس له أي ذنب في الوصول إلى هذا الحد ، الذي لا يملك فيه أن يكون محايداً ذو وعي .. فإعراب "المواطن المصري" في هذا الموضع ، هو مفعول به .. بينما الفاعل ، ضمير مستتر ، تقديره "وسائل الإعلام" .مضت ثورة 25 يناير وخلفت وراءها الكثير من الآثار، قليل من الإصلاحات وكثير من التشوهات ، إنفلات أمني .. تراجع إقتصادي .. عراك سياسي .. عنف وإنفجارات .. مناخ طارد للسياحة والإستثمار .. وكذلك واقع جديد للإعلام المصري. 

فقد وجدت وسائل الإعلام أمامها آفاق أكثر إتساعاً لطرح القضايا الشائكة بمزيد من الحرية والجرأة .. ولكنها حرية غير مشروطة بأي ضابط مهني أو أخلاقي أو مجتمعي. ويظل أكثر ما يشغلني في هذا الواقع الجديد للإعلام المصري ، ظاهرتان : الأولى تتمثل في برامج التوك شو ، والثانية تتعلق بالإتصالات الهاتفية للمواطنين :
  • برامج التوك شو
يصعب علي أن أستوعب كيف تحولت برامج التوك شو فجأة من فقرات لإستضافة عدد من المسئولين والخبراء للحديث حول بعض قضايا الدولة والمجتمع، تحولت إلى مسخ .. نعم مسخ .. طاولة عليها "مج"، وراءها كرسي، فوقه شخص، أمامه ميكروفون.. يتسلم آذاننا وعقولنا كل ليلة، لثلاث أو أربع ساعات .. ( رغي في رغي كلامك سلطة ) .. ثلاث ساعات يبث خلالها أراءه أو توجهات ملاك الشاشة التي يطل من خلالها..  يتحدث لثلاث ساعات دون أن يقاطعه أو يناقشه أو يحاوره أحد .. ثلاث ساعات يتحدث هو فقط ويكون لزاماً علينا نحن جميعاً أن نستمع إليه .. ثلاث ساعات من التحريض والتخوين والتشويه واللعن والسب و إهدار الوقت فيما يلا ينفع .. بل يضر. وأخطر مافي هذا النوع من البرامج أنه يقتحم كل بيت، دون إستئذان .. يكفي أن تدير التلفاز ليشاركك هذا المدعو "إعلامياً" في سهرتك الأسرية بين زوجتك وأبناءك .. كما أنها برامج شديدة التأثير على المواطن سواء كان بسيطاً أو متعلماً .. وقد مارست بالفعل دوراً محورياً وساحراً في تشكيل وعي المواطنين والتأثير على طريقة فهمهم لما حولهم من ظواهر .. فيكفي أن تستمع لأحمد موسى لتلعن ثورة 25 يناير وتصدق أنها صنيعة الغرب وأن من ملأوا الميادين ليلة 28 يناير حفنة من حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني ؟!! ويكفي أن تشاهد توفيق عكاشة لتؤمن بأن سرقة سيارتك الفيرنا موديل 99 من أسفل منزلك الشهر الماضي هي جزء من حروب الجيل الرابع التي يخوضها التحالف (الأنجلوصهيوأمريكي) ضد مصر .. ويكفي أن تتابع مصطفى بكري أو أماني الخياط أو مجدي الجلاد أو عبد الرحيم علي، لكي تشك في أمك وأبيك.. ولا تكف عن التلفت يمنة ويسرة .. خشية ما قد يرتبص بك من مؤامرات .  

ولا أستطيع أن أغفل هنا ظاهرة أخرى لصيقة بمرحلة ما بعد ثورة 25 يناير ، وهي إقصاء الإعلامي من أمام ميكروفون التليفزيون والإذاعة، لصالح فئة أخرى كثيرون منها محترفون في مجالاتهم ولكنهم شديدي التواضع في مجال الإعلام.. ويأتي على رأس هؤلاء "الصحفيون" الذين فارقوا أقلامهم وبلاط صاحبة الجلالة ، "ولاعبو الكرة" الذين تركوا المستطيل الأخضر، و "الممثلين" الذين غادروا بلاتوهات التمثيل .. ليصبح هؤلاء جميعاً من نجوم الإعلام المؤثرين على وعي المواطنين.           
  • الإتصالات الهاتفية للمشاهدين
 لا أكف عن التفكير في ماهية سيكولوجية المواطن الذي يشاهد برنامجاً للتوك شو، وهو يجلس القرفصاء فوق أريكة في غرفة المعيشة ويرتدي فانيلة داخلية بيضاء .. ثم فجأة يمسك سماعة الهاتف، ويبدأ في إجراء إتصال هاتفي بالبرنامج، ليتحول في لحظات إلى "المهندس عبده صديق البرنامج" . ربما يكون هذا المواطن طبيعياً وربما يكون مبعث الحيرة في داخلي أني لم أفكر يوماً أن أقوم بمثل هذا الأمر .. ولكن منذ ثورة 25 يناير بدأت نماذج الإتصالات الهاتفية تأخذ منحى مختلف ، مثل "تامر بتاع غمرة"، وسماح أنور "ولعوا في بتوع التحرير" ، إبن أخت عفاف شعيب عايز ريش وبيتزا ، و ميدان التحرير فيه علاقات جنسية كاملة ، وأحمد بدير زعلان على مبارك ، وعمرو مصطفى شايف إن إعلان بيبسي هو إللي حرك الثورة .. وغيرهم الكثير.

ما يحيرني اليوم حقيقة، هو بعض برامج التوك شو الحالية، التي لم يتلقى إعلاميوها في يوم من الأيام إتصالاً واحداً يناقض توجه الإعلامي والقناة أو ما يطرحه من قضايا. فإذا كان بإمكاني أن أتفهم أن يسير المذيع والقناة والضيوف على خط واحد، فكيف أستوعب أن يتحول المشاهدون أيضاً إلى نقاط فوق هذا الخط .. إنها ظاهرة تستحق الدراسة، فهي تثير شكوكاً تدور حول ما إذا كان هؤلاء المشاهدون ليسوا سوى كومبارس في غرفة مجاورة بذات الإستوديو ، وهي نماذج رأيناها تتجسد في العديد من الأعمال السينمائية .. وأخشى أن تكون حقيقة نعيشها اليوم .    
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...