Pages

الجمعة، 12 ديسمبر، 2014

سر إبتسامة الصغار D:










( تنويه : الصورة واقعية من قرية السماكين ـ مركز المنشاة ـ محافظة سوهاج ، بعدسة الأستاذة / آية أمان ـ الصحفية بجريدة الشروق وموقع AL- Monitor .. شكرا آية )


ابتسامة ساحرة .. لم تفارق مخيلتي مذ رأيتها ترتسم فوق شفاه أطفال تلك القرية البسيطة الغافية في سكون ودعة على ضفاف النيل في إحدى محافظات الجنوب .. كانت الابتسامة الساحرة تنطلق من بين شفاه هؤلاء الأطفال بمنتهى الإنسيابية والبساطة لتملأ الكون بأسره من حولهم بالبهجة والمرح، وفوق هذا كانت عيون أطفال تلك القرية تعكس بريقاً من الأمل لا تخطؤه الأعين .. إنها قرية السماكين التابعة لمركز المنشاة بمحافظة سوهاج ( 45 دقيقة من مدينة سوهاج).

كيف للإبتسامة أن تولد على شفتي طفل بائس ؟ بجسد ضئيل، ووجه ملطخ بالطين، وثياب رثة لا تكاد تحميه برد الشتاء ، وقدم عارية من حذاء يقيه أحجار الطريق ؟ كيف للأمل أن يسكن عيون طفل لا يملك أن يكون طالباً منتظماً في إحدى مراحل التعليم حيث يكابد مشاق الحياة مع والده فوق مركب خشبي صغير على صفحة مياه النيل يصطادون الأسماك ثم يبيعونها بثمن بخس ليجدوا بالكاد قوت يومهم ؟ كيف تنمو السعادة في قلوب الأطفال بقرية نائية بجوار شاطيء النيل .. بيوتها مهترئة من طابق واحد ليس بها مياه نظيفة أو شبكة للصرف الصحي.. شوارعها طينية غير ممهدة .. سكانها بسطاء في قسماتهم وثيابهم وطعامهم وأثاثهم وأحلامهم ؟ 

إن هؤلاء الأطفال برغم مايعيشونه من فقر مدقع وطفولة بائسة ، ليسوا في حاجة لنا .. فالحقيقة أننا نحن من نحتاج إليهم .. بل نحن في أشد الحاجة لهم .. لا تتعجب .. فعلى يدي هؤلاء الأطفال علينا أن نتعلم كيف نكون سعداء ، وأن ندرك كم نحن بائسون حين لا نستطيع أن نرسم مثل هذه الإبتسامة على شفاهنا ، أو نوقد شعلة أمل كتلك في عيوننا ، بينما نملك كل ظروف السعادة وكل مقومات الأمل .. علينا أن نتعلم منهم كيف نشعر بالرضا لمجرد أن بإمكاننا أن نحقق لأطفالنا كل ما يأملون .

لقد حرصت في هذا البوست على أن أكتب إسم القرية ، فلأطفالها الحق في أن يفخروا بأنهم يتحدون كل ظروف الحياة ومشاقها ويحافظون على هذه الإبتسامة وذاك الأمل ، كما أن علينا واجباً يكاد يقترب من حكم الفريضة ، هو أن نرد لهؤلاء الأطفال جزءاً من الجميل والعرفان .. هذا إذا ما أثارت إبتسامتهم في نفسك ما أثارته في نفسي ، من إدراك أن علي أن أكون سعيداً بل غارقاً في السعادة والرضا. 

لذا أرفق مع البوست صورة واقعية لأطفال هذه القرية .. قرية السماكين .. تأملها .. وأنتظر تعليقك حول أثر الصورة في نفسك .. رزقكم الله السعادة والأمل .

السبت، 29 نوفمبر، 2014

إقفل بقك بالترباس



قصيدتي حول براءة مبارك من التهم المنسوبة إليه :

إقفل بقك بالترباس..

واقتل جواك الإحساس..

أصل الريس راجع تاني..

وقرر يحبس كل الناس..

مهما حصلك..
اقفل بقك بالترباس..
وإوعى تقولي :
أنا دقت الفقر .. ودقت الجهل..
إوعى تقولي دخلت القسم..
سمعت شتيمة تمس الأهل..
مهما حصلك..
إقفل بقك بالترباس..
إوعى تفكر تدعي عليه..
حسك عينك تشتم فيه..
أو تتهمه بإنه حرامي .. وصاحب كاس..
علشان كام مليار في رصيده ..
يبقى حرامي ؟
علشان رزق عيالنا في إيده ..
يبقى حرامي ؟
علشان باع الغاز والأرض..
وغمض عينه .. فراح العرض.. 
يبقى حرامي ؟
علشان دخل المنصب حافي..
وخرج إمبارح لابس جزمة..
يبقى حرامي ؟
إقفل بقك بالترباس..
إوعى تفكر تكتب قصة .. وترسم رسمة..
إوعى تفكر تنطق كلمة .. مالهاش لازمة..
أصل الريس .. راجع تاني..
وقرر يحبس كل الناس..
قرر يثبت إن حياته ..
وهبها لشعبه..
وإنه ماكانش في لحظة أناني..
قرر يثبت إن بطانته..
سر متاعبه..
وإنه ماكانش في يوم الجاني..
قرر يسجن كل مواطن شتمه وهانه..
إقفل بقك بالترباس..
وإوعى تقول : ريسنا حرامي.. 
ماهو لو دخل المنصب حافي..
وخرج إمبارح لابس جزمة..
ليه ماتقولش عليه ببساطة.. أو بعباطة
إنه عصامي.

الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

في مدينة لا تنام


لليل دوماً سحره الخاص ..
هادئ كان أم صاخباً ..إنه عالم العشاق والمشردين والنساك واللصوص والعاهرات وأطفال الشوارع ..والليل في الريف ، يختلف تماماً عنه في المدينة .. فإذا كانت القرى الساكنة في أحضان الحقول ، تغفو بعد صلاة العشاء .. فإن المدن لا تنام.


في ليلة دافئة من شهر أيلول، "دلفت" مدينة القاهرة لأول مرة كقاطن وليس زائر .. ولست أجد لفظ "دلفت" دقيقاً ، فالواقع أن مدينة القاهرة في تلك الليلة قد "إبتلعتني" ! .. فقد مضى على هذه الليلة نحو عشرة أعوام ومازلت قابعاً في تلك المدينة، بل يزداد إلتصاقي بها يوماً بعد يوم، وعاماً وراء عام .. فبعد أن كنت دارساً للعلوم السياسية، غدوت باحثاً في شركة خاصة، ثم موظفاً بجهة حكومية، وأخيراً زوج  وأب لطفلين.



لا أنسى تفاصيل أول ليلة في تلك المدينة الصاخبة، كانت الشمس قد غربت لتوها وإختبأ قرصها البرتقالي وراء الأفق .. حين هبطت من سيارة بيجو بيضاء (أجرة الدقهلية) في ميدان المؤسسة .. ثم إنحدرت في نفق للمشاة لأنتقل إلىى محطة مترو شبرا الخيمة في الجانب الآخر.. كي أستقل مترو الأنفاق لأول مرة .. إبتعت بطاقة صفراء مستطيلة بـ 75 قرشاً .. وخلال دقائق تلقفني القطار من فوق رصيف المحطة شبه الخاوي.. وكأي غريب أخذت عيناي تتنقل زائغة بين خارطة لمحطات المترو أعلى باب العربة من الداخل، و لافتات تحمل أسماء المحطات كلما توقف القطار في إحداها .. وفي محطة الوصول (فيصل) خرجت لأسير بمحاذاة سور أبيض طويل عابراً أسفل كوبري الملك فيصل حتى ترعة الزمر إلى تلك الشقة بحي المشابك، والتي قضيت فيها أول ليلة في القاهرة، بل أول شهر، قبل أن يصلني خطاب القبول من المدينة الجامعية.



اليوم أتذكر هذه الليلة وكأنها حلم ليلة صيف، وضعت الحقائب ، خرجت لصلاة العشاء في مسجد قريب ، ثم تناولت أول طعام لي في القاهرة، طاجن مكرونة باللحمة المفرومة، تفاصيل الليلة لا تغادر عقلي، عدت إلى الشقة وإرتميت على سريري أحاول النوم، وأنا أفكر وأفكر ، كيف سأعيش في هذه المدينة وحيداً دون أسرتي .. فقد جئت إلى مدينة القاهرة غصناً غضاً، بلا تجارب ، بلا مسئولية ، بنية صافية حسنة.. وعين لا ترى سوى اللون الأبيض .. فلم تكن حياتي حتى إنتهاء المرحلة الثانوية تدور سوى وسط مثلث ذو ثلاثة أضلع : البيت ، المدرسة ، المكتبة .. لذا فقد مثلت لي تجربة الدراسة في القاهرة نوعاً من الإنسلاخ عن هذا المثلث .. وقد كانت تجربة مفيدة رغم كونها  كانت قاسية.



وفجأة وجدت نفسي وسط مدينة صاخبة لا تنام .. تعج ليل نهار بالضجيج والزحام .. مدينة ذات إيقاع سريع للحياة .. بل شديد السرعة .. سكانها في سباق دائم بحثاً عن لقمة العيش .. ولكنها على الرغم من ذلك مدينة مبهجة .. يمتلأ ليلها بالفرح والسهر على مستوى من يشتهون السوشي والسيمونفيميه في الفنادق والمطاعم الفارهة ..  أو على مستوى من يبتغون "كوزين" من الذرة و "كوبين" من حمص الشام على الكورنيش.



و الآن بعد مرور نحو عشرة أعوام .. أعترف أن رحلتي في هذه المدينة لم تكن سهلة ، عشت ليال وليال من القلق والخوف والحزن .. ولكنها كانت تجربة لها دور كبير فيما أنا عليه الآن ، فلقد علمتني هذه المدينة القاسية كيف أكون رجلاً يتحمل المسئولية ويدير حياته كما يريد..علمتني  كيف أميز بين الصديق والعدو.. بين المخلص والغادر.. بين الأصيل والخسيس .. علمتني وما زالت تعلمني الكثير والكثير والكثير..



ولكنها قدمت لي أغلى الهدايا .. زوجتي التي تعرفت عليها وسط زحام هذه المدينة وصخبها ، لتصبح اليوم الواحة الهادئة التي ألوذ بها فراراً من كل ما تضج به المدينة من صعاب وقسوة وأسى.     

الأحد، 23 نوفمبر، 2014

وردة وبارود



أخذت عيناه المجهدتان من طول التعب تتأملان  "وردة" حمراء صغيرة مودعة في جيب سترته العسكرية المموهة البالية، وبدا يحاول جاهداً أن يشتم في خجل عبير هذه "الوردة" الذي كان يواجه صعوبة في الوصول إلى أنفه  وسط رائحة التراب والعرق في جسده الأسمر وسترته الرثة بعد نهار طويل قضاه ـ كعادته كل يوم ـ قابعاً في مكانه لايبرحه إلا لبضع لحظات في أوقات الصلاة يستثمرها في قضاء حاجته أو سد جوعه. كانت عيناه تتأملان "الوردة" بينما يملأهما العجب لكونها كانت تبدو كنجمة بيضاء في ليل حالك، أو كزهرة صبار حية أمام شاهد قبر ميت. فقد كانت "الوردة" الغضة شيئاً شاذاً في صورة هذا المجند ذو الجسد المتعب من قلة النوم، والبشرة السمراء من لفح حر الشمس، واللكنة الريفية الغارقة في البساطة. أخذ المجند يتذكر كيف إمتدت هذه اليد الطيبة لتودع في جيب سترته تلك "الوردة". فلم تعتد حياة هذ المجند منذ شهور، سوى على مسيرات يتلوها مسيرات .. شعارات.. هتافات.. سباب.. حجارة.. رصاص.. غاز.. مسيرة تحمل صور الفريق السيسي، وأخرى تحمل لافتات ليد سوداء تلوح بأربع أصابع على خلفية صفراء. لذا فقد أثارت في داخله العجب هذه "الوردة" الفيحاء التي أودعها أحدهم في جيب سترته، فمنذ شهور لم يعتد أنفه غير على استنشاق رائحة الغاز والبارود ولم يعتد صدره سوى على تلقي الحجارة والرصاص.  

الأحد، 6 يناير، 2013

نحن ندفع الثمن !

حقيقة الأمر أننا منذ إندلاع ثورة 25 يناير وحتى هذه اللحظة لم نحقق شيئاً.. إننا نحصد فحسب كل ما غرسه نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك.. نتحاسب على ذنوبه وهو راقد بهدوء في جناحه الطبي الفاخر.. ندفع فاتورة طعام لم نأكله.. وشراب لم نرتشفه.. وثياب لم نرتديها.. ومصباح كهربائي لم نضئه يوماً.. هذا ما نفعله نحن المصريون منذ غادرنا ميدان التحرير في 11 فبراير مبتهجين بعد أن أعلن اللواء عمر سليمان نائب الرئيس في بيان مقتضب رحيل مبارك.. فقد ترك لنا المخلوع تركة مثقلة نرزح تحت وطأتها حتى لحظة كتابة تلك السطور.. ولعل من أبرز جوانب هذه التركة ما يلي :ـ

الجهل : 

هو أكبر خطايا الرئيس السابق التي نتحمل آثارها السلبية هذه الأيام.. وحاشا أن أقصد بالجاهل عامل بسيط     أو فلاح كادح أو شحاذ بائس.. فالجهل فيروس يمكنه أن يخترق أي جمجمة حتى وإن كانت لخبير إقتصادي، أو محلل سياسي، أو أستاذ جامعي، أو عالم من علماء الكتاب والسنة.. ومبارك كان كأي رئيس شمولي يخشى العلم، ويخاف من تزايد الوعي لدى المواطن المصري.. صحيح أنه لم يحرم إستخدام الراديو كالسطان قابوس حاكم سلطنة عمان في بداية حكمه، ولم يحظر تداول الصحف والمجلات كالإمام يحيى الزيدي في اليمن قبيل ثورة السلال.. إلا أنه كان حريصاً على تكريس الجهل وضعف الوعي والسطحية بشتى الطرق، سواء عبر نظام تعليمي فاشل، أو إعلام مدمر موجه، أو سينما هابطة، أو أغاني مسفة.. فالجاهل يسهل قيادته، التأثير فيه، توجيه صوته الإنتخابي.. جعله يحس بالرخاء وهو لا يجد قوت يومه.. وجعله يشعر بالإنتصار وببلاده تعيش أسوأ هزيمة.. وأراهن أن السيدة الأولى سوزان مبارك تعض أصابعها اليوم ندماً على مشروع مكتبة الأسرة أو القراءة للجميع الذي دشنته وأعتقد أن كان له دور كبير في نشر الوعي لدى الكثير من البسطاء وخاصة الشباب الذين قاموا بالثورة.

العنف :

يتحمل الرئيس مبارك ومن وراءه جهازه الأمني جزءاً كبير من المسئولية عن العنف الذي تعيشه مصر حالياً.. وإذا سلطنا الضوء على (التيار الإسلامي) فأحياناً أجده ضحية للنظام السابق.. الذي ساهم بصورة مباشرة    في كل ما نراه من ذلك التيار من عنف و عصبية ورغبة في الإستئثار بالحكم وإقصاء الآخر.. إنه يبدو كمارد خرج من القمقم وأقسم أن لا يعود.. فالآلة الأمنية للنظام السابق مارست كل أنواع القهر في حق هذا التيار ورجالاته.. بحيث كان إطلاق اللحية أو حضور دروس دينية مبرراً للإعتقال لشهور في سجون أمن الدولة.. مبرراً لإقتحام بيت آمن في ساعات الظلام وإرهاب أطفاله و هتك ستر نساءه.. ناهيك عن ما كان يتعرض له هؤلاء في السجون من تعذيب وظلم وألم دون ذنب يذكر.. لهذا وصل (التيار الإسلامي) إلى هذه الدرجة من الرغبة في الحكم دون إستعداد للتوافق مع أي من القوى السياسية.. فهم يعتقدون أن أي تنازل سيسقدمونه يمكن أن يدفعه خارج إطار اللوحة السياسية.. وأي خروج عنها هو في نظرهم عودة إلى السجون والمعتقلات.. إنها معركة البقاء.. أكون أو لا أكون. 

الفراغ السياسي :

كان الرئيس السابق حريصاً كل الحرص على أن يبقى الوطن رهينة كيان سياسي واحد أوحد قوي هو (الحزب الوطني الديموقراطي).. كان يرى في بروز أي حزب سياسي نوعاً من المنافسة غير المقبولة فيحاول جاهداً أن يقضي عليه وهو ما يزال جنيناً قبل أن يشب عن الطوق.. كان يرى ضرورة أن يكون كل شيء في مصر تحت السيطرة.. حتى المعارضة.. كان يحرص على أن تكون مستأنسة تمارس نشاطها تحت نظر الحكومة ووفق قواعد اللعبة التي تضعها هي.. فلا يجرؤ حزب على الترشح في الإنتخابات البرلمانية إلا على عدد المقاعد التي يحددها الحزب الحاكم ووفق نسبة محددة.. لذا كان للنظام السابق يد طولى في إضعاف النشاط الحزبي في مصر وترك الساحة المصرية تعيش فراغ كبير في أعقاب ثورة 25 يناير لم يستط ملأه سوى جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي.. سواء عبر التحرك في الشارع أو تقديم الزيت والسكر .. سيان.. فهذا لن يغير من حقيقة الواقع شيئاً وهو أن أمام مصر عشرات السنين حتى تستطيع الأحزاب السياسية الوليدة تكوين قاعدة شعبية تسمح لها بمنافسة التيارات الدينية في الإنتخابات البرلمانية أو الرئاسية.   


الأربعاء، 26 ديسمبر، 2012

لن أغلق نافذتي ثانية !

كم غدوت أشفق على كاتب المقال اليومي.. خاصة في وطن مشتعل كمصر.. يحيا مرحلة إستثنائية من التحولات شديدة السرعة على الأصعدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية.. تنام على قرار رئاسي فتصحو على إلغاءه.. تطفأ عربتك ثم تعود فلا تجدها.. تتقاضى أجرك هذا الشهر ثم تجد نفسك في الشهر التالي "على باب الكريم".. هنا تكمن صعوبة كتابة مقال يومي من المفترض أن يتناول أهم ما أثار كاتبه خلال ساعات اليوم القليلة.. لهذا لجأ العديد من الكتاب إلى إضافة سطر في مقالاتهم قد يبدو ليس ذا معنى.. سطر يشير خلاله إلى خصوصية اللحظة التي جلس فيها ليكتب سطوره.. ليتنصل به مما قد تحمله الساعات القادمة من مفاجآت.

فرضت علي تطورات هذه المرحلة الإستثنائية ذاتها والتحولات المتسارعة أن أهجر مدونتي الغالية ( موجة) لنحو عام ونصف.. فسرعة التفاعلات قد تجبرك على أن تعبر عنها بأقل عدد ممكن من الحروف.. العدد الذي يكفي بالكاد لأن يعكس فحسب رد فعلك الأول تجاه الحدث.. وبقدر ما يكون رد الفعل الأول أكثر صدقاً، بقدر ما يكون منفعلاً مفتقداً للهدوء اللازم للتحليل.. ولكن أي تحليل وسط إندفاع الأحداث غير المسبوق ؟ فما أن يبدأ عقلك في إستيعاب الحدث والبدء في الإعداد لعملية التحليل حتى يختفي الحدث تماماً.. يتلاشى.. أو يندثر تحت أنقاض من أحداث جديدة تجبره على أن يتوارى وراء حدث آخر أكثر أهمية.. كانت تلك نقطة ضعف لدى الكثير من المراقبين للشأن المصري لم يساهم في تجاوز آثارها سوى مواقع التواصل الإجتماعي.. وإذا كان (تويتر) يضع حدوداً لعدد الأحرف المتاحة للتعبير عن الحدث.. فإن (فيسبوك) يفتح لك آفاقاً غير عادية من التعبير من خلال الحروف والصور والفيديوهات.

لكنني أعلنها اليوم بكل وضوح.. أنني قد إتخذت قراراً وأريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه.. لقد قررت أن أعود إلى بيتي ومدونتي (موجة).. لأخط على سطورها كل ما يعتمل في صدري من قلق بالغ على مستقبل مصر.. وما تشهده حياتي من نجاح وإخفاق وأمل وألم وإبتسامة ودمع.. إنها نافذتي التي فتحت لي أفاقاً رحبة على الدنيا ولن أغلقها بعد اليوم.. لن أغلقها بعد اليوم.

السبت، 28 مايو، 2011

لمن الملك اليوم ؟



لقد أثبتت الصحف القومية بما لا يجعل مجالاً للشك أنها تحتاج دوماً بجانب رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة والصحفيين وعمال الطباعة.. إلى حاكم تغازله.. هكذا اعتادت في عهد الرئيس السابق مبارك.. كانت تغازله هو وقرينته ونجليه ووزراءه ورجال حزبه.. تفرد صفحتيها الأولى والأخيرة الملونتين لمتابعة جولاته وتصريحاته وحتى قفشاته.. ومقالات الرأي أيضاً كانت تدور حول حكمة الرئيس ورؤيته الثاقبة.. لذا فلم أتعجب من أن تبدأ تلك الصحف بعد سقوط نظام مبارك في أن تتساءل.. لمن الملك اليوم ؟



والمتابع للصحف القومية طوال أسابيع الثورة سيدرك كيف سارت في منحنى يوازي بل يطابق ذاك المنحى المنحدر لنظام مبارك.. ومانشيتاتها خير دليل.. فمتظاهري مصطفى محمود أضعاف متظاهري ميدان التحرير.. وشهداء الميدان قتلى محاولات اقتحام أقسام شرطة.. والرصاصة الحية في العين مجرد رصاص مطاطي لتفريق الجموع.. والجمال في موقعة الجمل تهدف لتنشيط السياحة.. فقد كانت الصحف القومية حينها بحق الأكثر استفزازاً بين كافة وسائل الإعلام العالمية المقروءة والمسموعة والمرئية.. وكأنها لا ترى من الغربال.. وظلت على هذه الحال حتى تأكدت بيقين لا يقبل الشك.. أن جسد النظام قد همد.. وأن روحه قد فاضت.. وأن رجاله قد أصبحوا ضيوف زنازين طرة.. وأن مبارك لم يعد أمامه سوى طريقين لا ثالث لهما.. السجن أو الموت .



وللصحف القومية حساسية تحسد عليها في استشعار الملك عن بعد.. فمغازلتها المؤخرة لجمال نجل الرئيس مبارك كان مبررها تلك الحساسية المفرطة التي كانت وراء تأكدها من أن مؤامرة التوريث قد بدأت خطواتها فعلاً في قصر العروبة.. وأن عام 2011 إذا لم يستهل بتفجر الثورة كان سيختتم بتتويج ولي العهد.. ومن منطلق هذه الحساسية أيضاً أدركت تلك الصحف أن الملك قد غدا في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. فلم تدخر جهداً ولا وقتاً في مغازلته.. لتصبح قسوته في مانشيتاتها حزماً.. وبطؤه حنكة.. وتخبطه مناورة.. ولينه رأفة.. ويصبح رفضه أو عجزه عن ضرب النار على المتظاهرين خلال أحداث ثورة 25 يناير ديناً في رقبة المصريين.. يحتاجون لسداده إلى تحمل الحكم العسكري أعواماً وأعواماً بكل ما يفرضه علينا من أحكام عرفية وحظر للتجول وتعطيل للدستور والأحزاب والحياة النيابية.. ديناً يحتاج إلى أن نضفي على بيانات المجلس الأعلى قدسية تدفعنا إلى أن نمسك في ذيله كأمنا ليقودنا حيث يشاء.. تدفعنا للارتماء في أحضانه بحثاً عن الأمن في أيام أصبح قانون البلطجة هو السائد فيها .



لذا يخطأ من يظن أن روح ثورة 25 يناير قد تسللت بعد إلى مقرات الصحف القومية وصفحاتها وأقلام كتابها وأحبار ماكينات طباعاتها.. فروح الثورة لا يمكنها أن تختزل فقط في أن تبدأ تلك الصحف كغيرها في إبراز أخبار الرئيس المخلوع وقرينته في إقامتهما الجبرية الغارقة في الرفاهية.. أو متابعة جلسات التحقيق والمحاكمة لأعوانه فإن هذا لن يغفر لها وقد كانت تصفهم برجال السياسة والاقتصاد الغيورين على وطنهم في وقت كنا نعلم جيداً كيف كانوا لا يعرفون الفرق بين المال العام والخاص.. فلن يغفر ما اقترفوا في حق الوطن وشعبه وشهداءه إلا أن يعودوا ليتعلموا من جديد كيف تكون حرفية الخبر وموضوعية التناول واستقلالية الفكر.. تلك الحرفية والموضوعية والاستقلالية الذين عطلوا تماماً داخل مؤسسات الصحف القومية طيلة عقود.. تحولت فيها إلى صحف للحزب الوطني المنحل لأسباب ربما تعود إلى اعتمادها على التمويل من حكومة الحزب أو هيمنة سقط المتاع من صحفيي الحزب على رؤوس تلك الصحف .

الاثنين، 23 مايو، 2011

مش عاوز أختي كاميليا



محض صدفة تلك التي شاءت أن يتبع زيارتي القصيرة لاحتجاجات الأقباط أمام مبنى ماسبيرو، الإعلان رسمياً عن فض الاعتصام.. ولست أعلم حتى لحظة كتابتي تلك الأسطر أي رياح قذفت بي هناك بين أمواج من الغضب والألم عبرت عنها بكل صراحة وصدق هتافاتهم.. وقسمات وجوههم.. وصلبانهم.. ولافتاتهم.. وصور شهداءهم.. ولكني كنت هناك.. لعلي أعلم إلى إي حد نتقارب وفي أي النقاط نختلف.. لعلي أرى الحقيقة ماثلة أمامي دون زيف بيانات الحكومة ومساحيق وسائل الإعلام .

لم أواجه صعوبة في اختراق الحاجز الأمني القبطي ولم أجد غضاضة في أن يتم تفتيشي ذاتياً بعد أن كشفت بطاقتي حقيقة كوني مسلم.. ولكني خرجت بعد ساعات من قلب الاعتصام وبداخلي شعورين مختلفين.. فكما أراحني أمر فقد أقلقني آخر.. ولعل ما أراحني هو اكتشافي أن كلمة السر التي أصبحت تدور في فلكها حياة المصريين مسلمين وأقباط.. هي الأمن.. فكما أحتاج إلى الأمن لأسير بعربتي على الطريق الدائري مع أسرتي آمناً على نفسي من كمائن قطاع الطرق.. وكما أحتاج إلى الأمن لآمن على أطفالي الذهاب إلى مدارسهم وعودتهم.. فالأقباط يطلبون بجانب كل هذا بعداً خاصاً بهم يتعلق بإعادة فتح كنائسهم المغلقة وضمان حقهم في ممارسة شعائر عبادتهم في إطار من الأمن والأمان .

أما مبعث القلق فلم يثره مسيحي.. وإنما شيخ مسلم يدعى سعيد سلمه القمص متياس نصر كاهن كنيسة عزبة النخل منبر الحديث على المنصة فمضى يسبح في بحور الماضي متنقلاً من قصة لأخرى تحكي علاقة المسلمين بالأقباط عبر عصور الخلافة والفتوحات الإسلامية في محاولة يائسة وفاشلة لامتصاص غضب المعتصمين، وكانت صدمتي عندما سمعته بأذني يستحلفهم بالرب والمسيح والروح القدس ! ولست سلفياً ولكني لا أعلم لما قفزت في ذهني حينها الآية الكريمة {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ( البقرة: 120)، فقد كانت عبارته لا تحتمل في عقيدتنا التأويل والقياس فقد كانت كفراً واضحاً بيناً يهدم أولى قواعد التوحيد وهو الوحدانية .

لقد نسي هذا الشيخ المسلم – إن صح تسميته بذلك- أن أولى خطوات العلاج هي تشخيص المرض.. ومرض الاحتقان الطائفي قد غدت أعراضه واضحة وضوح الشمس على جسد الأمة المصرية.. لا تحتاج ملاحظته أشعة مقطعية أو سونار.. ومن الخطأ أن نستمر في تعاطي المسكنات دون البحث عن علاج شافي لهذا المرض كي نتمكن من أن نعيش في سلام وأمان على أرض بلادنا الطيبة.. و الحقيقة أن العلاج لن يكون أبداً بالإصرار على التأكيد على مبادئ الإخوة والتماثل والتماهي فيما بيننا مع غض البصر عن مكامن الاختلاف.. فنحن مختلفون.. وتماثلنا لن يكون إلا باعتناق أحدنا ديانة الآخر.. نحن مختلفون.. ولكن تجاورنا في الوطن يحتم علينا أن نتعايش رغم هذا الاختلاف.. يحتم علينا أن نغلب مفاهيم المواطنة ليكن لكم دينكم وليا دين.. إنني مسلم ولكني لا أرى في إسلام كاميليا أو وفاء أو غيرهن مكسباً ولا في عودتهن إلى النصرانية خسارة.. إنني مسلم ولكني أرى من العبث أن يكون جهادنا في سبيل امرأة أياً كانت.. ولذا أعلنها بكل صراحة.. مش عاوز أختي كاميليا .
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...