الجمعة، 20 مارس، 2015

مصرُ المستقبل .. لحظةٌ فارقة


اللحظاتُ الفارقةُ المُفرحة في حياتي يمكنني أن أعُدُها على أصابعِ إحدى يداي، ولم تكن تلك اللحظات الفارقةُ، فارقةً في حد ذاتها، وإنما من أجل المقدمات التي أفضت إلى تلك اللحظات، وليس ما أقوله هنا ضرباً من الجدل الفلسفي أو التأمل الأفلاطوني، وإنما توصيفاً واقعياً لحقائقَ لمستُها في مراحل عمري المختلفة. فلحظة اجتياز الثانوية العامة بمجموعٍ مرتفعْ لم تكن لحظةً فارقةً في حد ذاتها،  بل كانت اللحظة الفارقة قبلها بعامين حين اخترت أن أدرس بالقسم الأدبي، كما أن لحظة زفافي لم تكن لحظةً فارقةً، إذا ما قورنت بلحظةِ أن تلقيتُ مكالمةً هاتفيةً من والدي قبل الزفاف بعامْ يبلغني فيها موافقته على ارتباطي بالمرأة التي أحببت، وكذلك لحظة ولادة ابني الأول، فإنها تتضائل كلحظةٍ فارقة، حين أقارنها بلحظة أن أبلغتني زوجتي الحبيبة قبل الولادة بتسعة أشهر : أنا حامل .

وظلت اللحظات الفارقة المفرحة في حياتي، ترتبط وتلتصق بأمور شخصية، وطموحات وأمنيات خاصةً بي، حتى كان يوم 11 فبراير 2011 فقد مثل رحيل الرئيس حسني مبارك حينها أول اللحظات الفارقة المفرحة في حياتي التي انسلخت عن دائرتي الشخصية، لكونها مهدت للخلاص من أطماع تلك الأسرة في التوريث وهيمنة رأس المال و إغراق مصر في الديون والفساد والمواد المسرطنة على مدار 30 عاماً كاملة.. ثم جاء يوم 30 يونيو 2013 ليمثل ثاني تلك اللحظات الفارقة المفرحة، فقد مثل بداية النجاة من حكم عصابة الإخوان الإرهابية التي كادت تغرق مصر في دوامة من التقسيم والتطرف والجماعات الجهادية و الخلافة، وأخيراً جاء يوم 15 مارس 2015 ليحتل مكانة متفردة بين اللحظات الفارقة في حياتي، فيومها شعرت والمصريين من حولي، أن مصر تولد من جديد وتستعيد طاقتها وتستيقظ وتنهض لتواصل مسيرتها بين الأمم.  

اليوم  15 مارس 2015 .. التوقيت : 1.30 ظهراً .. المكان :  القاعة الرئيسية بمنتجع جولي فيل بمدينة شرم الشيخ ..الحدث : الكلمة الختامية للرئيس عبد الفتاح السيسي في آخر أيام مؤتمر دعم وتنمية الإقتصاد المصري .. كان لكل شيء يومها مذاق خاص .. المكان، الحضور، التنظيم، الصوت، الإضاءة، القاعة، المقاعد، ولكن كان المذاق الأكثر خصوصية في كلمات الرئيس الحماسية الدافعة نحو الأمام .. فكلمة "تحيا مصر" كانت تنطلق من فم الرئيس لتخترق قلوبنا كسهم نافذ، فيتحرك الدمع على إثرها من مآقينا .. كان "تحيا مصر" هتافٌ يلامس وجداننا، ويطلق الدمع، فنحن نسمعه بعد أن أوشكنا نشعر قبل 30 يونيو أننا سنمكث عقوداً طويلة في عصور الظلام والجهل والهمجية والتطرف .

كما كانت كلمات الرئيس مشحونة بطاقة لانهائية من التفاؤل والأمل في أن مصر تستيقظ وتنطلق، بل تندفع نحو مستقبل مشرق .. وإلى جانب الأمل، أفصح خطاب الرئيس عن جانب كبير من التحديات والصعوبات التي نواجهها بقدر كبير من الشفافية والوضوح، فقد كانت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول التحديات واضحة ومحددة لا تحتمل التأويل، كان كالأطباء الغربيين الذين يواجهون المريض بمرضه حتى وإن كان المرض صادماً فاتكاً ومميتاً كالسرطان.. فقد كان الرئيس شديد الصراحة وهو يخبرنا أننا تأخرنا كثيراً، وأنه بات لزاماً علينا أن نركض لنلحق بركب الحضارة والتقدم .. "وياريت الجري كفاية" .. كان واضحاً حين كشف لنا أن ما أسفر عنه مؤتمر مصر المستقبل الاقتصادي ليس أموالاً مباشرة وإنما مشاريع تحتاج إلى سنوات لتنتهي وتبدأ العمل، مشاريع بقروض وفوائد وفترة سماح تفرض على "المصريين" كما قال الرئيس التزاماً بسداد أقساطها في توقيتاتها دون تأخير .. وكان الرئيس مباشراً حين كشف أمام ملايين المصريين كيف يتفاوض من حساب كرامته ليتمكن من توفير ملايين الدولارات من قوت هذا الشعب الكادح، وكيف أن مصر لا تحتاج أقل من 300 مليار دولار حين يمكن بناؤها من جديد ويتحقق كل ما يستحقه الشعب المصري من الرخاء والرفاهية.

  حظيت مصر في أعقاب مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري، بقدر وافر من المساندة السياسية، والدعم الإقتصادي، والحشد الشعبي، كما أيقن العالم أجمع أن هذا الوطن ليس لقمة سائغة، فمصر أصبح لها قائد يصارح شعبه بالتحديات، وقادر على حشده في المصاعب والإحتفال معه في الإنتصارات، كما أن بها شعب يدرك جيداً ما يواجهه، ومستعد للعمل وبذل الجهد بكل صبر لتحقيق المستقبل الذي ثار من أجله مرتين، والرخاء الذي يستحقه له وللأجيال القادمة.  
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...